آخر تحديث :الإثنين-22 أبريل 2024-02:30ص

ملفات


اليمنيون والنزوح الإجباري... منسيون في زمن الحرب

اليمنيون والنزوح الإجباري... منسيون في زمن الحرب

الأربعاء - 15 مارس 2017 - 11:01 ص بتوقيت عدن

- لاجئون منسيون ـ محمود عبده الحميدي

بين الموت الجماعي أو النزوح، اختار الحاج محمد، الذيتضاعفت مسؤولياته بعد مقتل اثنين من أبنائه كانوا يقاتلون مع قوات الشرعية اليمنية في إحدى قرى محافظة تعز جنوب اليمن، أن تكون محافظة مأرب الملجأ له ولأسرته.



بمبلغ إستدانه تخطى ألف دولار، وصل الحاج محمد مع أسرته البالغة 31 فرداً إلى مأرب بعد رحلة استمرت زهاء 24 ساعة. لم يجد مسكناً يقيهم البرد وحر الشمس، إلا خيمةوفّرتها له إحدى المنظمات الإنسانية، ومع مرور الأيام اتسعتإلى خميتين في واقع معيشي صعب.



يقول الحاج محمد في حديثه لموقع "لاجئون منسيون" إن مشاهد الذعر لم تمحَ من وجوه أحفاده وزوجته حين وصلت إلى منزلهم في منطقة الأحكوم جثتان لاثنين من أبنائه كانا يقاتلان في صفوف قوات الشرعية اليمنية ضد تحالف الحوثيين والرئيس السابق علي عبد الله صالح.



لم يستطع الحاج محمد أن يقاوم كثيراً دموعه فأجهش بالبكاء وهو يروي قصته. وبعدما تمالك نفسه قليلاً عاد ليروي قصته قائلاً: "شاء القدر أن أعود لما كنت عليه على الرغم من كبر سني لكن بدلاً من 7 أفراد كنت أعيلهم صرت أعيل31 فرداً، المشكلة أن اثنين من الأطفال يعانون من إعاقةويحتاجون الى رعاية ودواء".



الصمت الذي كان سائداً طوال حديث الحاج محمد، قطعته في النهاية زوجته بقولها "يا إبني، والله كنا نموت ببيوتنا أعز لنا وأشرف، لكن هربنا من أجل هؤلاء"، مشيرة إلى الأطفال الذين يملؤون المكان.



ويتجرع اليمنيون منذ أكثر من عامين ويلات الحرب فيمشهد توزعت فصوله بين تفجير المنازل والتهجير والتشريد،وبين الحصار والجوع وانسداد الأفق في شتى مناحيالحياة بعدما انعدمت أيضاً الخدمات الصحية والمعيشية. وترتفع وتيرة التحذيرات الأممية من خطورة تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن وانعكاساتها على المدنيين.



نزوح مستمر



أحمد سعيد، وهو عامل بالأجر اليومي كان يسكن العاصمة صنعاء، لم يجد أمامه من خيار غير العودة الى موطنه في مدينة تعز بعدما أدت الحرب إلى تعطيل الأعمال المتاحة لديه فحاصرته الديون وهدده صاحب المنزل بالطرد لعجزه عن دفع ايجار المنزل. ظنّ أحمد أن عودته إلى تعز ستخفف من معاناته، إذ يمكنه أن يؤمن مسكناً لأسرته لدى أحد أقاربه، لكن عوضاً عن ذلك تضاعفت مأساته.



لم ينقض سوى أسبوع واحد على وصول أحمد إلى تعز حتى اشتعلت الحرب، وطاول القصف العشوائي حي الروضة الذي كان يبيت فيه. عندها كانت القرية التي غادرها طفلاً في منطقة جبل حبشي هي المكان الوحيد الذي يمكن الذهاب اليه، حيث دار الأسرة المهجور والقديم أصبح عامراً بمن توافد إليه هرباً من الحرب.
يروي أحمد لموقع "لاجئون منسيون" فصولاً من معاناته قائلاً: "20 شهراً ونحن في قريتنا، نجوع ونموت ولا أحد يسمع لحالنا". ويضيف "على الرغم من ذلك كنا نؤمن أنه قدرنا ومحتسبين أمرنا لله، لكن أن تلحق بنا الحرب الى القرى هذه كارثة لم تكن في الحسبان".



بعد رحلتين من النزوح، فرض قوات الحوثيين والرئيس السابق علي عبد الله صالح حصاراً على إحدى قرى تعز وتدعى بلاد الوافي. ولأنه قدر أحمد فقد كان التهجير القسري لكل سكان القرية خياراً وحيداً وجمعياً. ومع اتساع رقعة الحرب لم يكن أمامه إلا البحث عن مكان آمن لأطفاله، فكانت محافظة مأرب وجهته التي وصلها أخيراً في ثالث رحلة نزوح. واضطر إلى الإقامة داخل أحد فصول المدرسة التي أفرغها الأهالي لاستقبال النازحين. وعلى الرغم من المعاناة وضيق الحال يتمنى أحمد أن تكون هذه آخر رحلات النزوح.



وتحولت مأرب إلى إحدى المناطق التي يلجأ إليها الهاربون من الحرب، بما في ذلك الأطفال والنساء. وبينما كان أحد الأطفال يتحدث لموقع "لاجئون منسيون" عن انحداره من أرحب (شمال غرب صنعاء)، وعن تواجد والده في فرضة نهم، جبهة قتال مشتعلة بين قوات الشرعية ومقاتلي الحوثيين وصالح، تعالى صراخ امرأة عجوز قائلة "أنتم تعالوا "إيشمعاكم؟". وبعد معرفتها بدأت في سرد روايتها بعدما أصبحت تهتم بأربع خيام لأسر أقربائها "تركها الرجال وذهبوا للمعركة لاستعادة وطن مسلوب"، كما تقولها نعمة حيشان.



وتضيف نعمة: "دخل الحوثيون أرحب وفيها الخير الوفير.كنا نأكل من خيرات أرضنا ونتاجر بمنتجاتها الزراعية، غير ان "المسيرة الشيطانية" (كما تصف الحوثيين) بدأت بتفجير مساجدنا ومدارس التحفيظ ومحو الأمية، ولأن أولادنا قاتلوهم وصلوا إلى منزلنا، قلت لهم: بتفجروا؟ (هل ستفجرون المنزل) قالوا "مع" (أي لا)، قالوا إن البيت فيها سلاح ثقيل. خرجنا الأطفال والنساء من أجل التفتيش وما هي إلا لحظات وأسمعهم يقولوا: البيت ملغم جاهز للنسف. ابتعدنا قليلاً لنرى منزلنا يتم تفجيره بكل أدواتنا التي فيه ومع كل تفجير يكبّرون بصرختهم وكأنهم فجروا بيوت الإسرائيليين أو الأميركيين".



باتت نعمة وأربع أسر أخرى ليلتهم على أطلال المنزل الذي تم تفجيره. وبعد إدراك أولادها لحجم الخطر قرروا النزوح إلى مأرب. ومع الازدحام الشديد في مأرب نتيجة تحولها إلى مقصد للنازحين، ارتفعت أسعار الإيجارات في المحافظة، فقررت الأسر العيش في شقة واحدة ووضع الخيام على سطح المنزل لكي تتسع لهم.



تقول نعمة إنها لا تريد أن نكتب قصتها وأسرتها مع النازحين، وتعلل ذلك أنهم هنا فقط في مأمن حتى يقاتل الرجال من دون خوف ويدخلون العاصمة صنعاء لتحريرها، ثم يعودون جميعاً إلى أرحب يزرعون أرضهم ويعيدون بناء منزلهم.





وفيما تتزايد الاحتياجات الإنسانية للنازحين تبدو المساعدات الإغاثية عاجزة عن تغطية هذه الاحتياجات أو الوصول إلى جميع المتضررين من الحرب. الناشط ناجي محمد سليمان، الذي يعمل مع إحدى المنظمات اليمنية المحلية، كان شاهداً على مأساة إحدى الأسر قبل أيام. يقول سليمان لموقع "لاجئون منسيون": قبل أيام تلقيترسالة على هاتفي في العاشرة مساء أن هناك حالة نزوحكبيرة من موشج والزهاري (قرى غرب تعز) وانضموا إلىالنازحين في العراء في قرى الهتيكة والغشروقة والشبابيةعزلة الزهاري (ريف مديرية المخا).

ويضيف "لكن الفاجعةأنني تلقيت اتصال في الساعة الثالثة فجراً، أن يوجد أموخمسة من أطفالها وضعهم صعب، وماذا عساي أن أفعلربما إمكانياتي لا تسمح لي بالمساعدة. قلت سأفعل ماأستطيع فعله، أخذت العامل الصحي وانطلقنا برغمالمخاطرة فالطيران لا يفارق السماء". ويستكمل شهادته قائلاً "وصلنا بعد 40 دقيقة نظراً إلى بعد منزلي عنهم 37كيلومتراً، وجدنا أن طفلين من أصل خمسة أطفال قد فارقاالحياة بسبب التشنج من البرد ونقص التغذية، فالأطفال ووالدتهم يعيشون منذ يومين على وجبة واحدة، وليس لديهمأي وسيلة للتدفئة، وكانت أمهم تدفنهم تحت التراب من أجلالتدفئة".



يضيف ناجي "والدتهم كانت في وضع صحي صعب للغاية، قدمنا الرعاية الصحية لإنقاذ الأم، ووفرنا ما يمكن تقديمهللأطفال الثلاثة المتبقين غلى قيد الحياة، وتم دفن الطفلين منقبل الاهالي هناك". يقول ناجي "إن ما حز في نفسيوأبكاني أن هذه الأم كانت منذ يومين وهي تتوسل لنا أنهاواطفالها لا يمتلكون الغذاء، وعدناها أن هناك مساعدةقادمة إليهم هي والكثير من الأسر النازحة".



يختم ناجي قائلاً: "أعذرونا نحن أوصلنا صرخاتكمومعاناتكم للكثير، ولكن لا ندري لماذا لا تهب المنظماتوالجمعيات ورجال وسيدات الأعمال والشخصيات للإغاثة، وأين دعاة الإنسانية وأصحاب الضمائر عن تلك المناطق". ويطالب بضرورة التحرك بصورة عاجلة "فمعاناة الناس لاتحتمل التأخير، والنساء والأطفال هم الشريحة الأضعفوقت السلم !!فكيف هم وقت الحرب".