آخر تحديث :الخميس-17 سبتمبر 2026-06:07م
اخبار وتقارير

باب المندب بين القبول بالواقع الجديد ومعركة الحسم المنتظرة

باب المندب بين القبول بالواقع الجديد ومعركة الحسم المنتظرة
الخميس - 17 سبتمبر 2026 - 05:02 م بتوقيت عدن
- نافذة اليمن/ الحبيب الأسود/ صحيفة العرب الدولية

التطورات الأخيرة في باب المندب تضعنا أمام أحد احتمالين لا ثالث لهما: فإما أن يكون الحوثيون قد وقعوا في فخ نُصب لهم بإتقان، أو أن تكون إيران قد حققت بالفعل مكسباً تاريخياً يخدم مشروعها التوسعي في المنطقة، مؤكدة أنها قوة إقليمية صاعدة بمرجعية عقائدية عابرة للحدود تدرك كيف تستغلها على نطاق واسع.

لا يمكن النظر إلى مغامرات الحوثي في باب المندب بمعزل عن المشروع التوسعي لنظام الملالي في طهران. لأشهر عدة أطلق سياسيون إيرانيون وقادة من الحرس الثوري تحذيرات لدول المنطقة والعالم، يبدو أن أغلب المعنيين بنتائجها الكارثية لم ينتبهوا إليها. علي أكبر ولايتي، كبير مستشاري المرشد الأعلى ووزير الخارجية السابق، قالها بوضوح: “لا ينبغي أن يؤدي الوضع الأمني الحالي لباب المندب إلى خطأ في حسابات العدو”، متوعداً بأن “المقاومة قادرة على إغلاق الممرين المائيين: هرمز والمندب”.

في يونيو الماضي، نقلت وسائل إعلام دولية عن ثلاثة مصادر أن إيران طلبت من الحوثيين الاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب في البحر الأحمر إذا شنت الولايات المتحدة هجوماً على البنية التحتية لشبكة الكهرباء في إيران. وفي أبريل، هدد محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، بعرقلة حركة السفن التجارية عبر مضيق باب المندب. وتساءل في منشور على موقع “إكس”: “ما نسبة الشحنات العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال والقمح والأرز والأسمدة التي تمر عبر مضيق باب المندب؟ ما الدول والشركات التي تسجل أعلى حجم عبور من خلال هذا المضيق؟”. في إشارة إلى أن نظام الملالي وضع مضيقي هرمز والمندب على طاولة التخطيط الجيوسياسي من أجل إعادة رسم خارطة النفوذ بما يخدم مصالحه التوسعية ونزعته الإمبراطورية العنصرية التي لا يزال يعمل على تكريسها تحت غطاء الطائفية.

أي موقف سلبي من إيران لا يمكن أن يخفي حقيقة الموقف، فنظام الثورة الإسلامية يعرف كيف يخطط لمشاريعه الاستراتيجية، وكيف يشتغل على الأبعاد الاجتماعية والنفسية والثقافية للمجتمعات التي يخطط لاختراقها والسيطرة عليها من الداخل، وكيف يواجه التحديات الكبرى من أجل تحقيق طموحاته في الانتصار لمشروعه السياسي والعقائدي، وذلك عبر الدفع بوكلائه إلى خوض حروب الاستنزاف طويلة المدى كما في الساحة اليمنية حالياً. اليوم تمثل اليمن بالنسبة للأمن القومي الإيراني ورقة استراتيجية وموقعاً جيوسياسياً بالغ الأهمية ضمن ما يسمى بـ”محور المقاومة”. جاءت سيطرة الحوثي على باب المندب لتمنح طهران نفوذاً مباشراً على خطوط التجارة العالمية وتشكل ساحة متقدمة للضغط والردع ضد خصومها الإقليميين والدوليين. هناك من يتحدث عن ورقة ضغط جديدة يكسبها نظام الملالي إلى جانب ورقة مضيق هرمز ليساوم بهما معاً في معركة فرض الخيارات على طاولة المفاوضات.

كل تحركات الحوثيين الأخيرة تمت بتخطيط ودعم من نظام الملالي، ووفق رؤية إيرانية خالصة، وتحت إشراف وإدارة ضباط الحرس الثوري. وهي لا تكشف فقط عن مدى الحقد الفارسي على المملكة العربية السعودية كونها قلب العروبة النابض والممسكة بمقاليد القيادة الروحية والحضارية لملياري مسلم، وباعتبارها عنوان الاعتدال في المنطقة وزعيمة حركة الإصلاح الحالية في وجه مشاريع التطرف والإرهاب بمختلف مرجعياتها الفكرية وهوياتها المذهبية والطائفية وأهدافها السياسية والاجتماعية والثقافية ودوافعها الجيوسياسية والجيوستراتيجية.

بالمقابل، يبدو من الصعب القبول بفكرة سيطرة الحوثي على أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، وهو باب المندب الذي تمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية المنقولة بحراً، وقرابة 25% من تجارة الحاويات، إضافة إلى ملايين براميل النفط ومشتقات الطاقة يومياً بين آسيا وأوروبا. ويؤدي أي اضطراب فيه إلى إرباك سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين نتيجة تحويل المسارات حول أفريقيا.

السيطرة على باب المندب تعني إضراراً مباشراً بمصالح قوى إقليمية بارزة وتحدياً لمصالحها، ومن الطبيعي أن يُنظر إليها على أنها خطوة إيرانية تستهدف السعودية ومصر والأردن ومختلف دول المنطقة. لكن رسالة الحوثيين إلى واشنطن بأنهم لا يريدون المواجهة مع الولايات المتحدة ولا المساس بأمن إسرائيل البحري وسفنها التجارية، كشفت عن الهدف الحقيقي لخطة طهران من وراء الدفع بالحوثيين لبسط نفوذهم على المضيق، وهو عرقلة وصول إمدادات النفط الخام السعودي إلى الأسواق العالمية عبر باب المندب كما هو الحال في مضيق هرمز. فيما تحركت ميليشيات العراق لتضرب خط الأنابيب الضخم الذي يربط شرق المملكة بغربها، والذي كان يعد بديلاً مهماً يضمن نقل النفط من الحقول السعودية على الخليج العربي إلى مدينة ينبع في البحر الأحمر، مما يغنيها عن المرور بمضيق باب المندب ويضمن وصول الخام السعودي إلى الأسواق الأوروبية.

قبل 59 عاماً، اندلعت حرب الأيام الستة في 5 يونيو 1967، عندما شنّ الجيش الإسرائيلي هجوماً مباغتاً على الدول العربية. بدأت الحرب بعملية “موكيد”، التي أسفرت عن تعطيل القوات الجوية المصرية بالإضافة إلى مناورة برية ضد مصر. ثم تطورت الحرب لاحقاً لتشمل الجبهتين الشرقية والشمالية. وفي غضون ستة أيام، حقق الجيش الإسرائيلي انتصاراً كبيراً باحتلاله القدس الشرقية بعد 19 عاماً من وضع يده على القدس الغربية، وتوسعة حدوده بسيطرته على شبه جزيرة سيناء، وقطاع غزة، والضفة الغربية، وهضبة الجولان، وفرضه واقعاً لا يزال العرب يواجهون نتائجه الوخيمة إلى اليوم.

من الأسماء التي أُطلقت على تلك الحرب “حرب المضايق”، في إشارة إلى السبب المباشر والشرارة الاستراتيجية التي فجّرتها، وهي القرار المصري الحاسم في 22-23 مايو 1967، عندما أعلن الرئيس جمال عبد الناصر إغلاق مضيق تيران الذي يمثل المدخل الوحيد لخليج العقبة أمام الملاحة والسفن الإسرائيلية، وتلك التي تحمل مواد إستراتيجية إلى ميناء إيلات. واعتبرت مصر حينها أن الخليج بمثابة مياه إقليمية عربية خالصة.

رغم أن الحوثيين حاولوا طمأنة إسرائيل بإبلاغها أنهم لا يستهدفون مصالحها، إلا أن المشهد العام قد يضع جماعة أنصار الله في مواجهة تحالف إقليمي ودولي قادر على إنهاء المهزلة التي يشهدها اليمن، وعلى قطع المزيد من أصابع الإخطبوط الإيراني، ولو بتشكيل رؤية جديدة للعلاقات البراغماتية وفق منظومة المصالح في المنطقة.