آخر تحديث :الأربعاء-16 سبتمبر 2026-05:01م
اخبار وتقارير

استهداف مكة: الحوثيون يقتربون من الخط الأحمر

استهداف مكة: الحوثيون يقتربون من الخط الأحمر
الأربعاء - 16 سبتمبر 2026 - 04:19 م بتوقيت عدن
- نافذة اليمن/ صحيفة العرب

لم يعد التصعيد الحوثي ضد السعودية محصورا في الحدود الجنوبية أو المنشآت العسكرية والنفطية. فاعتراض الدفاعات السعودية مسيرة قالت الرياض إنها تابعة للحوثيين جنوب مكة، قبل دخولها المجال الجوي المحظور فوق المدينة المقدسة، يفتح فصلا أكثر حساسية في المواجهة، ويضع أمن الحرمين الشريفين في قلب معادلة التصعيد. وبينما تنفي الجماعة استهداف مكة، فإن مجرد وصول مسيرة إلى هذه المنطقة، وفقا للرواية السعودية، يكشف اتساع نطاق التهديد ويضع الطرفين أمام اختبار جديد لقواعد الاشتباك.

وقال المتحدث باسم التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن تركي المالكي إن الدفاعات الجوية دمرت مساء الثلاثاء المسيرة قبل دخولها المجال الجوي المحظور، مشيرا إلى أن هذه كانت المحاولة الثانية التي تقول الرياض إنها استهدفت مكة، بعد إطلاق صاروخ باليستي باتجاهها في يوليو 2017. وأضاف أن «أمن الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن خط أحمر»، متوعدا باتخاذ إجراءات رادعة. في المقابل، نفى مسؤولون حوثيون استهداف المدينة ووصفوا الاتهامات السعودية بأنها غير صحيحة.

وتكتسب الحادثة أهميتها من موقعها في سياق أوسع من الهجمات الحوثية على السعودية خلال الأسبوع الأخير. فقد تعرضت مدن ومنشآت سعودية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة، في وقت تقول فيه الرياض إن جماعة موالية لإيران في العراق تقف وراء هجوم آخر ألحق أضرارا بخط أنابيب النفط شرق-غرب. ومع اتساع دائرة الاستهداف، لم تعد الجغرافيا السعودية تبدو بالنسبة إلى الحوثيين مساحة محدودة بالمنطقة الحدودية، بل باتت الهجمات تمتد إلى العمق وإلى أهداف ذات حساسية اقتصادية وأمنية متزايدة.

وهنا تبدو مكة مختلفة عن بقية الأهداف. فالهجوم على قاعدة عسكرية أو منشأة نفطية يمكن إدراجه في سياق الصراع العسكري المباشر، لكن اقتراب مسيرة من المدينة المقدسة يضع المواجهة في منطقة ذات حساسية دينية وسياسية استثنائية. ولذلك لم يتعامل البيان السعودي مع الواقعة باعتبارها مجرد اعتراض جوي، بل ربطها مباشرة بأمن الحرمين، معلنا أن هذا الأمن «خط أحمر».

ولا يعني ذلك أن الحوثيين تعمدوا بالفعل استهداف مكة، في ظل نفيهم لذلك، ولا أن المسيرة كانت ستتمكن من دخول المجال الجوي للمدينة لو لم تعترضها الدفاعات. لكن المسافة التي قطعتها المسيرة قبل اعتراضها تصبح في حد ذاتها جزءا من المشكلة. فكلما ابتعدت الهجمات عن الحدود واقتربت من المدن والمناطق ذات الحساسية العالية، ازدادت احتمالات سوء الحساب، وارتفعت مخاطر انتقال المواجهة إلى مستوى يصعب معه التحكم في مسارها.

ويأتي ذلك في وقت حقق فيه الحوثيون مكاسب ميدانية على الساحل الغربي لليمن، وسيطروا على مناطق جديدة قرب البحر الأحمر وباتوا أقرب إلى باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية. وتقول تقارير إن التقدم الحوثي على الساحل يفرض ضغوطا إضافية على طرق التجارة والطاقة، خصوصا أن السعودية تعتمد على البحر الأحمر وخط الأنابيب شرق-غرب لتجاوز بعض مخاطر مضيق هرمز.

وتضع هذه التطورات أيضا الحليف الأميركي أمام اختبار. فقد طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان دعما عسكريا من واشنطن، لكن المساعدة الأميركية المعلنة حتى الآن اقتصرت على الدعم الاستخباراتي، فيما لم تنخرط الولايات المتحدة مباشرة في ضرب الحوثيين. ويأتي ذلك بينما تتعرض السعودية لضغوط متزامنة على أمنها ومنشآتها النفطية وطرق تصديرها.

ولا تبدو الرياض راغبة في ترك حادثة قرب مكة بلا رسالة ردع، خصوصا أن تكرار محاولات الاقتراب من المدينة قد يفرض عليها رفع كلفة الرد على الحوثيين. لكن أي رد واسع بدوره يمكن أن يدفع الجماعة إلى توسيع الهجمات، بما في ذلك ضد منشآت الطاقة والموانئ والملاحة، وهو ما يجعل المملكة أمام معادلة دقيقة بين استعادة الردع وتجنب حرب أوسع.وتكشف واقعة المسيرة، في النهاية، أن الخطر لا يكمن فقط في إصابة الهدف، بل في اقتراب الحرب من مناطق لم تكن ضمن معادلة الاستهداف المباشر. فمكة، بالنسبة إلى السعودية والعالم الإسلامي، ليست منشأة يمكن إدراجها في قائمة الأهداف العسكرية؛ ولذلك فإن دخولها، ولو بصورة غير مباشرة، إلى حسابات التصعيد يرفع سقف المواجهة ويجعل أي محاولة جديدة لاختراق المجال المحظور أكثر من مجرد هجوم عسكري.

لقد تمكنت الدفاعات السعودية من إسقاط المسيرة قبل دخولها أجواء مكة، لكن الحادثة تترك سؤالا أكبر من مصير طائرة مسيرة واحدة: هل تجاوز الحوثيون بالفعل الحدود التي كانت تضبط الصراع، أم أن الحرب المتسعة باتت تدفع جميع الأطراف إلى مناطق أكثر خطورة وأقل قابلية للسيطرة؟