آخر تحديث :الأحد-13 سبتمبر 2026-05:37م

سقوط باب المندب: قائمة طويلة للخاسرين

الأحد - 13 سبتمبر 2026 - الساعة 04:56 م

مختار الدبابي
بقلم: مختار الدبابي
- ارشيف الكاتب


لم يكن سقوط باب المندب، أو اقتراب الحوثيين من إحكام السيطرة على بوابته اليمنية، مفاجأة عسكرية كاملة. فالاختلال في موازين القوى بين القوات الحكومية وحلفائها من جهة والحوثيين من جهة أخرى كان واضحاً، كما أن الجبهة التي كان يفترض أن تحمي الساحل الغربي بدت مثقلة بخلافات سياسية وعسكرية جعلت قدرتها على الصمود موضع شك.

لكن أهمية ما حدث لا تكمن في أن القوات الحكومية خسرت معركة أخرى، وإنما في أن الخسارة تجاوزت حدود اليمن لتصل إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في الخريطة الجيوسياسية العالمية.

سيطرة الحوثيين على المخا وتقدمهم باتجاه جزر ومواقع إستراتيجية عند باب المندب تمنحهم نفوذاً أكبر على الطريق البحري الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.

وهنا تصبح المسألة أكبر من سؤال: لماذا انهارت القوات الحكومية؟

فالخلافات داخل المعسكر المناهض للحوثيين ليست جديدة، وتحميل قوات بعينها مسؤولية الانسحاب أو الحديث عن “إعادة تمركز” لن يغير النتيجة الإستراتيجية. المعركة انتهت عملياً لمصلحة الحوثيين، وما يهم الآن هو ما الذي سيفعلونه بهذا المكسب، وما الذي يعنيه ذلك للدول التي وجدت نفسها فجأة أمام تهديد مزدوج في هرمز وباب المندب.

كان الراهن، بصورة أو بأخرى، على فتح أكثر من جبهة لإبقاء الحوثيين تحت ضغط عسكري واستنزاف قدرتهم على المبادرة. لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن هذه الاستراتيجية قد تنتج نتيجة معاكسة إذا لم تترافق مع قوة كافية لحماية الجبهات التي فتحتها.

وبينما انشغلت القوات الحكومية وحلفاؤها بمحاور أخرى، استطاع الحوثيون تركيز قوتهم على الساحل الغربي ودفع خصومهم إلى التراجع. ولم يعد مهماً كثيراً إن كان الانسحاب نتيجة خلافات بين القوات أو ضعفاً في التنسيق أو إعادة انتشار مقصودة؛ المهم أن الحوثيين حصلوا على موقع جغرافي يمنحهم قدرة أكبر على تهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

السعودية ليست الخاسر الوحيد. فقد كانت سواحل البحر الأحمر وخطوط التصدير عبرها جزءاً من الرهان السعودي على تقليل الاعتماد على مضيق هرمز. وكان ميناء ينبع وخطوط الأنابيب الممتدة من شرق المملكة إلى غربها يمثلان أحد البدائل أمام احتمال اضطراب الملاحة في الخليج.

أما الآن، فإن تقدم الحوثيين يجعل هذا البديل نفسه عرضة للضغط. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن التقدم الحوثي يهدد صادرات النفط السعودية عبر البحر الأحمر، خاصة بعد استهداف أنبوب شرق غرب باتجاه ميناء ينبع، في وقت تواجه فيه المملكة أصلاً تداعيات الحرب الأوسع على حركة الطاقة.

وهكذا تجد دول المنطقة نفسها أمام معادلة صعبة: هرمز غير مستقر في الشرق، وباب المندب غير آمن في الغرب. صارت إيران على الواجهتين.

ولا تحتاج طهران إلى إدارة باب المندب بصورة مباشرة حتى تستفيد من التحول. يكفي أن يمتلك حليفها الحوثي القدرة على التأثير في الحركة عبر المضيق حتى تتحول الجغرافيا اليمنية إلى ورقة إيرانية في الصراع الأوسع.

وهذه هي النقطة الأكثر أهمية في التطورات الحالية. فإيران التي تستخدم مضيق هرمز كورقة ضغط في مواجهتها مع الولايات المتحدة، تجد نفسها أمام فرصة لامتلاك ورقة موازية على الطرف الآخر من شبه الجزيرة العربية. وتشير تقارير إلى أن إرشادات ودعماً إيرانياً مباشرا ساهما في التقدم الحوثي الأخير على الساحل الغربي، بينما تنفي طهران السيطرة المباشرة على الجماعة.

بهذا المعنى، لا يصبح باب المندب مجرد جبهة يمنية، بل جزءاً من هندسة الضغط الإيرانية على طرق الطاقة والتجارة.

وإذا كان هرمز يمثل البوابة الشرقية للطاقة الخليجية، فإن باب المندب يمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وقناة السويس. الجمع بين المضيقين يمنح إيران وحلفاءها قدرة على التأثير في مسارات النقل العالمية تتجاوز كثيراً حجم القوة العسكرية للحوثيين أنفسهم.

مصر ربما تكون الدولة العربية الأكثر حساسية تجاه ما يجري في باب المندب، لأن أي اضطراب مستدام في المضيق ينتقل في النهاية إلى قناة السويس.

صحيح أن الحوثيين يعلنون أن الملاحة الدولية ليست هدفاً لهم، وأن عملياتهم محددة بأهداف معينة. وقد كرر المتحدث باسم الجماعة محمد عبدالسلام أن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب آمنة، وأن الجماعة لا تهدد خطوط التجارة الدولية.

لكن الدول لا تبني حساباتها الاستراتيجية على التصريحات وحدها.

المشكلة بالنسبة إلى القاهرة ليست فقط أن الحوثيين قد يقررون غداً إغلاق المضيق، وإنما أن وجود قوة مسلحة تسيطر على السواحل والجزر القريبة منه يجعل حركة الملاحة رهينة لتوازنات سياسية وعسكرية متغيرة. وقد أثبتت تجربة السنوات الماضية أن مجرد ارتفاع المخاطر الأمنية في البحر الأحمر قادر على دفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها.

وهذا يعني أن مصر قد تواجه مجدداً ضغوطاً على عائدات قناة السويس في وقت تحتاج فيه إلى استقرار تدفقات التجارة العالمية. فالمضيق ليس شأناً يمنياً، كما أن قناة السويس ليست شأناً مصرياً خالصاً.

في سياق قائمة الخاسرين، فإن الدول الخليجية التي تبحث منذ أشهر عن بدائل لمضيق هرمز ستجد أن المشكلة أصبحت أكثر تعقيداً. فإذا كان الخيار هو نقل جزء من صادرات الطاقة عبر البحر الأحمر، فإن السيطرة الحوثية أو التهديد المستمر لباب المندب يضعف قيمة هذا الخيار.

وقد لا يحتاج الحوثيون إلى إعلان حصار شامل حتى تتحول السيطرة الجغرافية إلى ورقة سياسية. يكفي أن تصبح السفن أمام احتمال التفتيش أو دفع رسوم أو التعرض للاستهداف أو انتظار ضمانات سياسية للعبور حتى ترتفع كلفة النقل والتأمين.

وهنا تكمن خطورة تحويل الممرات البحرية إلى أدوات تفاوض.

فما يجري في هرمز يقدم نموذجاً واضحاً: مجرد التهديد بالملاحة الآمنة كفيل برفع أسعار الشحن والتأمين وإرباك أسواق الطاقة. وقد سجلت بالفعل تكاليف نقل النفط مستويات قياسية في ظل اضطراب الملاحة الإقليمية، بينما تجاوز سعر خام برنت 100 دولار للبرميل.

وإذا أضيف باب المندب إلى المعادلة، فإن الخاسر لن يكون دولة واحدة.

أما الولايات المتحدة فتواجه اختباراً أكثر تعقيداً. فقد بدا أن واشنطن لم ترغب في فتح جبهة جديدة ضد الحوثيين في الوقت الذي تنشغل فيه بالحرب مع إيران، رغم الضغوط السعودية لوقف التقدم الحوثي. وفي المقابل، تملك الولايات المتحدة مصلحة مباشرة في حماية حرية الملاحة.

لكن المشكلة أن الردود المحدودة لا تمنع بالضرورة تغير ميزان القوى على الأرض.

وإذا أصبح الحوثيون قادرين على التحكم بالمواقع المحاذية لباب المندب، فإن واشنطن قد تجد نفسها أمام نسخة مصغرة من معضلة هرمز: قوة محلية مدعومة من إيران تملك قدرة على تهديد الملاحة، بينما يصبح الخيار العسكري المباشر مكلفاً، وتبقى الوساطات وقنوات الاتصال عاجزة عن إعادة الوضع إلى ما كان عليه.

وهذا ما يجعل التردد الأميركي أكثر كلفة مع مرور الوقت. فكلما تغيرت الخريطة الميدانية، أصبحت استعادة الوضع السابق أكثر صعوبة.

المفارقة أن أكبر نتيجة للانتصار الحوثي قد لا تكون السيطرة على مدينة أو جزيرة، بل تحويل باب المندب إلى ورقة تفاوض إقليمية.

دول الخليج ترى أن البدائل عن هرمز ليست محصنة، ومصر تواجه احتمال تعرض قناة السويس لمزيد من الضغوط، والولايات المتحدة تواجه اختباراً جديداً لالتزامها بحرية الملاحة، بينما يتحمل الاقتصاد العالمي كلفة التأمين والشحن والطاقة.

أما اليمن، فيظل الخاسر الأكبر والأكثر مباشرة. فكلما تحولت الجغرافيا اليمنية إلى ورقة في صراع إقليمي، تراجعت فرص أن تكون الحرب مجرد نزاع على السلطة داخل البلاد.

لقد أثبت الحوثيون، مرة أخرى، أن السيطرة على الجغرافيا أهم أحياناً من حجم القوة. وباب المندب، في هذه اللحظة، ليس مجرد مضيق عند طرف اليمن؛ إنه ورقة في صراع أكبر على الطاقة والملاحة والنفوذ.

ومع اتساع دائرة الاضطراب في هرمز وباب المندب، بدا وكأن الطرق البحرية قد أُغلقت تباعاً أمام جزء من صادرات النفط، وأن البحث عن ممرات بديلة لنقل الطاقة أصبح خياراً استراتيجياً لا ترفاً سياسياً. ومن هنا برزت أهمية الممرات البرية التي يمكن أن تصل الخليج بسورية والعراق وتركيا، وتوفر منفذاً آخر إلى الأسواق الأوروبية والمتوسطية.

لكن المشكلة أن نقل المعركة من البحر إلى البر لا يعني بالضرورة الخروج من دائرة الخطر. فمن يضمن ألا تتحول هذه الممرات نفسها إلى أهداف لإيران أو لأدواتها، إذا أصبحت جزءاً من منظومة البدائل التي تسعى إلى تجاوز نفوذها البحري؟

وهنا تظهر الكلفة الاستراتيجية للتردد في حسم المعركة مع الحوثيين. فكلما طال أمد الحرب واتسعت مساحة النفوذ المسلح المرتبط بإيران، أصبح من الصعب بناء بديل آمن ومستدام، لأن المشكلة لم تعد مرتبطة بمضيق واحد أو طريق بحري محدد، وإنما بقدرة شبكة إقليمية على الضغط على أكثر من مسار في الوقت نفسه.

وإذا كان الهدف من الممرات البرية هو تجاوز هرمز وباب المندب، فإن نجاحها يتطلب قبل كل شيء بيئة إقليمية مستقرة تحمي خطوط النقل، وهو ما يجعل معالجة أصل المشكلة أكثر أهمية من الاستمرار في البحث عن بدائل مؤقتة.


- نقلًا عن صحيفة العرب