كشفت وثائق رسمية عن تفاصيل صادمة بشأن عمليات نهب وتهريب منظمة لحصص الغاز المخصصة للمحافظات المحررة، وفي مقدمتها محافظة تعز، وسط استمرار أزمات خانقة في غاز الطبخ ومعاناة المواطنين في الحصول على أسطوانة واحدة، في وقت تشير فيه الوثائق إلى تحويل كميات من الغاز إلى مناطق خاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، بما يثير شبهات واسعة حول وجود شبكات فساد وتهريب تستفيد منها الجماعة وتغذي أنشطتها العسكرية.
وتسلط الوثائق، التي حصلت عليها "وحدة الرصد" الضوء على آليات منظمة لاستنزاف حصص المحافظات المحررة، لصالح شبكات تجارية تعمل في مناطق سيطرة الحوثيين، وسط ما وصفته المعلومات بصمت وتواطؤ مريب من بعض الجهات المعنية.
وتشير المراسلات الرسمية الصادرة عن "العمليات المشتركة للغاز في محافظات الجمهورية" و"هيئة العمليات المشتركة بوزارة الدفاع"، والموجهة إلى رئيس مجلس الوزراء، إلى استمرار تموين محطات غاز تقع بالكامل تحت سيطرة الحوثيين في محافظات الجوف والبيضاء والحديدة.
وتكشف المراسلات أن تلك المحطات واصلت الحصول على إمدادات الغاز دون إلزام ملاكها بتوريد "فارق السعر" المعمول به بالعملة القديمة، والذي تجاوز ثلاثة أرباع المبلغ منذ مايو 2023 وحتى اليوم، الأمر الذي يمثل، وفق مضمون الوثائق، هدراً كبيراً للمال العام وإثراءً غير مشروع لشبكات نافذة، على حساب احتياجات المواطنين ومعيشتهم.
وفي تطور أكثر خطورة، كشفت وثائق عسكرية عن مسارات تهريب منظمة لمقطورات الغاز، عبر تعميم حمل الرقم (3) صادر عن مركز القيادة والسيطرة التابع لهيئة العمليات المشتركة بوزارة الدفاع، والذي حدد عدداً من خطوط التهريب التي تستخدم لنقل الغاز بعيداً عن مساراته الرسمية.
وبحسب التعميم، تشمل خطوط التهريب مناطق الرويك، صافر، بيحان، شبوة، ساحل حضرموت، حيفان، طور الباحة، مبلعة، والساحل الغربي وصولاً إلى رأس العارة، مشيراً إلى مرور مقطورات دون تصاريح مطابقة لتاريخ كشف التحميل اليومي أو أرقام المقطورات الرسمية.
وتؤكد الوثائق، وفق ما نشرته "وحدة الرصد"، أن المقطورات المهربة تتجه إلى محطات تقع تحت سيطرة مليشيا الحوثي، من بينها محطات ذي ناعم في محافظة البيضاء، وعروش البحر الأحمر والدريهمي، إضافة إلى محطات "ستار بمن غاز" و"ستار أونك ميدي".
وتشير المعلومات الواردة في الوثائق إلى أن هذه الشبكات تسهم في تعميق أزمة الغاز داخل المحافظات المحررة، بينما تستفيد مليشيا الحوثي من عائدات الكميات المهربة في دعم أنشطتها ومجهودها الحربي، إلى جانب تسريب كميات أخرى إلى السوق السوداء، وصولاً إلى أسواق في القرن الأفريقي.
وتضع هذه المعطيات الحكومة والجهات الرقابية والقضائية والأمنية أمام مسؤولية مباشرة للتحقيق في ما ورد من وقائع، خصوصاً في ظل المعاناة المتصاعدة للمواطنين في تعز والمحافظات الأخرى من نقص الغاز وارتفاع كلفة الحصول عليه.
فالمواطن الذي يقف لساعات طويلة في طوابير بحثاً عن أسطوانة غاز، بحسب ما تثيره هذه الوثائق، قد لا يعلم أن كميات من الغاز التي تخرج رسمياً من صافر يتم تغيير مسارها لاحقاً، لتصل إلى مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين، في عملية تهريب تثير علامات استفهام واسعة حول الجهات التي تقف خلفها والمستفيدين منها.
وتفرض الوثائق، التي تحمل أختاماً وتوقيعات جهات عملياتية وعسكرية، ضرورة فتح تحقيق رسمي وعاجل لكشف كامل شبكة التهريب، وتحديد المسؤولين عن تغيير مسارات الشحنات، ومحاسبة كل من يثبت تورطه أو تواطؤه، إلى جانب اتخاذ إجراءات حازمة لمنع استنزاف حصص المحافظات المحررة وتجفيف مصادر الفساد التي يدفع المواطن اليمني ثمنها من قوته ومعيشته.
