آخر تحديث :الأحد-26 يوليو 2026-10:20م
اخبار وتقارير

فضيحة ملف الابتعاث.. تقرير يكشف إمبراطوريات عائلية ونهب ملايين الدولارات وتزوير واسع

فضيحة ملف الابتعاث.. تقرير يكشف إمبراطوريات عائلية ونهب ملايين الدولارات وتزوير واسع
الأحد - 26 يوليو 2026 - 08:50 م بتوقيت عدن
- نافذة اليمن - خاص

فجّر تقرير لجنة مراجعة قوائم المبتعثين في الخارج وآليات الابتعاث، الذي تم تداوله مساء اليوم الأحد 2026/7/26، من قبل صحفيين ونشطاء، والصادر في 27 فبراير 2023، واحدة من أكبر فضائح الفساد في ملف المنح والابتعاث الخارجي، كاشفًا عن شبكة واسعة من المحسوبية والعلاقات العائلية والتزوير وإهدار المال العام، حولت المنح الدراسية إلى امتيازات حصرية لأبناء النافذين، بينما حُرم آلاف الطلاب المتفوقين من فرصهم المستحقة.

وبحسب ما ورد في التقرير، فقد استحوذت 13 عائلة فقط على 131 منحة دراسية، فيما حصلت بعض العائلات على ما يصل إلى 16 منحة، رغم أن عدداً منها ميسور الحال ولا يحتاج إلى دعم حكومي، في حين مُنحت عشرات المنح دون استيفاء الشروط القانونية، أو تقديم الوثائق المطلوبة، بل إن بعض الملفات خلت حتى من شهادة الثانوية العامة.

وأشار التقرير إلى أن حجم الفساد المرتبط بملف المنح، الذي تبلغ تكلفته نحو أربعة ملايين دولار سنويًا، يفوق التصورات، مؤكدًا أن وزارة الدفاع منحت بعثات دراسية في تخصصات مدنية لا تمت بصلة للمجال العسكري أو الأمني، في مخالفة صريحة لأهداف الابتعاث العسكري، كما اعتبر أن الابتعاث إلى السودان، خصوصًا في التخصصات الدينية، يمثل هدرًا للأموال والطاقات.

وكشف التقرير أن المنح التي حصل عليها الأقارب تمثل أحد أبرز مظاهر الخلل في عملية الابتعاث، حيث وثقت اللجنة 508 حالات أخوة ضمن الكشوفات التي حصلت عليها، مع الإشارة إلى أن العدد الحقيقي قد يكون أكبر. وتراوح عدد الإخوة المبتعثين بين شقيقين وخمسة أشقاء للأسرة الواحدة، توزع بعضهم بين عدة دول، فيما اجتمع آخرون في الدولة نفسها.

وأوضح التقرير أن مصر وتركيا والسودان وروسيا تصدرت قائمة الدول التي شهدت أكبر عدد من منح الإخوة، لافتًا إلى أن معظم المستفيدين هم أبناء مسؤولين وسفراء ووجاهات وشخصيات نافذة في الدولة.

وبيّنت اللجنة أن نحو 284 عائلة هيمنت على ملف الابتعاث، وأن بعض هذه العائلات حصلت على مقاعد دراسية تفوق ما حصلت عليه جامعات حكومية كاملة، إذ لم تحصل جامعة إقليم سبأ سوى على مبتعث واحد، بينما استحوذت عائلات بعينها على أكثر من 16 مقعدًا.

وضمت قائمة أكثر العائلات استحواذًا على المنح: عائلة أبو حاتم بـ16 منحة، الفقية بـ15، القاضي بـ15، الطاهري بـ13، القدمي بـ11، الشرجي بـ11، كزمان بـ11، شرف الدين بـ10، عرجاش بـ8، العمراني بـ6، الفاتش بـ6، المولد بـ5، والمليكي بـ4، إضافة إلى عائلات أخرى وصف التقرير هيمنتها على المنح بأنها ما تزال مستمرة حتى اليوم.

وأكد التقرير أن العائلات والإخوة استحوذوا على نحو 33% من إجمالي المبتعثين إلى الخارج، كما رصدت اللجنة تعمد بعض الأسر تغيير الاسم الرابع أو حذف لقب العائلة لإخفاء صلة القرابة والالتفاف على الرقابة.

ولم تتوقف المخالفات عند هذا الحد، إذ كشف التقرير عن انتشار ظاهرة الأقارب والمحسوبين في كشوفات المساعدات المالية، حيث تكاد لا تخلو صفحة واحدة من أسماء أبناء المسؤولين والسياسيين الحاليين والسابقين، وأقاربهم، وأبناء التجار والشخصيات الاجتماعية والدبلوماسيين.

كما وثق التقرير قيام وزارة التعليم العالي، في بعض الحالات، بإحلال أحد الإخوة بديلًا عن شقيقه المنقطع أو المتخلف عن المنحة في السودان ومصر، في تعامل وصفه التقرير بأنه يحول المنح إلى ملكية خاصة للأسر بدلًا من كونها حقًا عامًا للدولة.

وأشار التقرير إلى المفارقة المؤلمة، حيث يذهب أبناء المواطنين البسطاء والمتفوقين إلى جبهات القتال ويستشهد كثير منهم دفاعًا عن الوطن، بينما يحظى أبناء بعض المسؤولين والسياسيين والمشايخ والأثرياء، وحتى بعض المحسوبين على جماعة الحوثي أو أبناء مشرفيها، بمنح دراسية على نفقة الدولة خارج البلاد.

وفي تعليق على هذه النتائج، قال الكاتب سمير سعيد فارع إن التقرير يكشف وجهًا آخر لعبث ملف الابتعاث، يتمثل في النزيف الهائل للعملة الصعبة والتزوير والعشوائية، موضحًا أن الدولة تدفع رسومًا تصل إلى 7500 دولار سنويًا للطالب الواحد في التخصصات الطبية، و4500 دولار في التخصصات الإنسانية، بينما تجاوزت الرسوم الدراسية للمبتعثين في مصر وحدها 1.22 مليون دولار خلال عام واحد لصالح 237 مبتعثًا فقط، وهو ما يعادل أكثر من نصف إجمالي ما تنفقه الدولة على الرسوم الدراسية في بقية دول العالم.

وأضاف أن مراجعة الملفات كشفت ابتعاث طلاب بمعدلات متدنية في الثانوية العامة وصلت إلى الستينيات والخمسينيات لدراسة تخصصات مهمة عبر الوساطة والرشوة، فضلًا عن تمرير ملفات ناقصة لا تحتوي على شهادات ثانوية أصلية، والاكتفاء بصور مرسلة عبر تطبيق "واتساب".

وأكد الكاتب أن التقرير وثق وقائع تزوير خطيرة، من بينها تزوير توجيهات صادرة باسم رئاسة الدولة، والتغاضي عن تزوير نتائج الثانوية لطالبين راسبين، حصل أحدهما على قرار ابتعاث ورسوم ومساعدة مالية بتوجيهات عليا، إضافة إلى انتحال أكثر من 80 توقيعًا وتوجيهًا باسم وكيل قطاع البعثات، وهي القضية التي انتهت بإدانة أحد موظفي الوزارة أمام محكمة الأموال العامة بعد ثبوت تمرير الملفات مقابل مبالغ مالية عبر سماسرة.

كما أظهر التقرير، بحسب الكاتب، أن ملفات مبتعثي وزارة الدفاع تكاد تخلو من الوثائق والقرارات الرسمية، وأن الوزارة ابتعثت أشخاصًا لا ينتمون أصلًا للمؤسسة العسكرية لدراسة تخصصات مدنية، من بينها العلوم الزراعية في ألمانيا، في وقت تخوض فيه البلاد معارك عسكرية وتواجه تحديات أمنية كبيرة.

وأشار إلى وجود مخالفات أخرى داخل السلك الدبلوماسي، حيث حصل أبناء بعض الدبلوماسيين، بواقع أربعة أو خمسة أبناء للدبلوماسي الواحد، على منح التبادل الثقافي المجانية، ومنها منح جامعة الأزهر البالغة 100 منحة سنويًا، بعيدًا عن رقابة وزارة التعليم العالي أو مبدأ المفاضلة.

ولفت الكاتب إلى أن استمرار صرف المساعدات المالية لطلاب متعثرين منذ أعوام 2010 و2011 و2012، رغم مرور أكثر من عقد دون تحقيق أي تقدم علمي، يجسد حجم إهدار المال العام ويؤكد الحاجة إلى إصلاح جذري وشامل لملف الابتعاث.

واختتم الكاتب بالقول إن المنح الدراسية لم تعد معيارًا للكفاءة أو التفوق العلمي، بل تحولت إلى إقطاعيات عائلية وشبكات للمحسوبية والمجاملات السياسية، مشددًا على أن استمرار هذا العبث يقضي على مبدأ تكافؤ الفرص، ويحرم آلاف الطلاب المتفوقين من حقوقهم، ويكرس غياب الشفافية والمحاسبة في أحد أهم الملفات التعليمية والسيادية في البلاد.