يشهد اليمن اليوم مفترق طرق وجودي لا يقتصر على تجاذب عسكري أو تنافس محلي عابر، بل يتجلى في عدائية متصاعدة وممنهجة من قبل جماعة الإخوان المسلمين تجاه قوات الساحل الغربي وعلى رأسها المقاومة الوطنية، وهي عدائية تحمل في طياتها صراعاً هوياتياً على مصير الدولة وهويتها، فبينما تمثل قوات المقاومة الوطنية بقيادة الفريق طارق صالح امتداداً للتراث العسكري الوطني وجيشاً يقاوم الحوثيين في الساحل الغربي كرمز للسيادة والوحدة، ترى الجماعة في هذا الحرس الوطني عائقاً استراتيجياً أمام مشروعها الذي يتجاوز المشاركة السياسية إلى الهيمنة الشاملة على مفاصل القرار والثروة والهوية، وهذا التوتر لم يولد من فراغ بل هو نتاج عقود من التشابك بين مشروع دولة مدنية يراكم مؤسساته ببطء ومشروع إيديولوجي يستغل الفراغات ليعيد هندسة المجتمع من الداخل عبر خطاب إقصائي يهدد نسيج المجتمع، وتتجلى هذه العدائية في مستويات متداخلة تتجاوز المواجهات الميدانية إلى حرب استنزاف مؤسسي واجتماعي، حيث تسعى الفصائل المرتبطة بالجماعة إلى السيطرة على الجبايات الموازية والمفاصل الحيوية في تعز وباقي المدن المحررة، وعرقلة العمليات العسكرية المشتركة، واستهداف المواقع التي تديرها القوات الوطنية، بينما توظف المناصب الحكومية لعرقلة التعيينات، والتحكم في تدفقات المال العام، والهيمنة على المنافذ الاقتصادية، ونشر خطاب يعيد تعريف الولاء من الوطن إلى التنظيم، ولا يقتصر الأمر على العسكري والسياسي بل يمتد إلى هندسة الوعي عبر السيطرة على المناهج التعليمية، وتجنيد الشباب في مشاريع دعوية مغلقة، وتأجيج الصراعات القبلية لخلق تحالفات مضادة، مما يجعل المواجهة ليست بين طرفين عسكريين فحسب، بل بين رؤيتين متعارضتين لحكم اليمن وإدارة تنوعه، ورؤية تؤمن بالدولة المدنية الموحدة وأخرى تسعى لإمارة تنظيمية تدين بالولاء لتيار عابر للحدود، يستغل مرونته التنظيمية وقدرته على التمويه داخل هياكل الدولة ليحول المؤسسات الوطنية إلى أذرع تنفيذية لأجندته، ويكاد يتناسى كثيرون أن الخطر لا يكمن في الأيديولوجيا المعلنة فحسب، بل في قدرة التنظيم على تكييف أدواته وتوزيعها بين الأذرع الدعوية والقبلية والعسكرية والإدارية لتبقى خيوطه مشدودة حتى في أحلك الظروف الميدانية، وهو ما يجعل مواجهته تتطلب وعياً ببنائه المركب وليس مجرد ردود أفعال تكتيكية.
وما تريده الجماعة يتجاوز بكثير المطالبة بحصة سياسية عادلة أو شراكة وطنية، إذ تهدف إلى تفكيك المؤسسة العسكرية الموحدة لصالح جيوب نفوذ خاضعة لإملاءاتها التنظيمية، والسيطرة على الموارد الاستراتيجية لتمويل شبكة إقليمية ممتدة، وبناء دولة موازية تتقاطع مع مؤسسات الدولة الرسمية حتى تستعصي على المحاسبة، وصولاً إلى هيمنة إيديولوجية طويلة الأمد تحول اليمن إلى قاعدة لمشروعها الإقليمي الذي يهدد استقرار الجوار العربي، ويعزز من قدرتها على الصمود الدعم الخارجي الذي تتلقاه من دول مثل تركيا وقطر الذي يوفر لها غطاءً دبلوماسياً وتمويلاً لوجستياً وإعلامياً يسمح باستمرار نشاطها رغم الخسائر الميدانية، مما يجعلها لاعباً يصعب تجاوزه بالحلول الأمنية وحدها ويستدعي مقاربة شاملة تجمع بين الحزم السياسي والإصلاحي والاقتصادي، وهنا تبرز مسؤولية السعودية كدولة محورية في المنطقة وقائدة للتحالف الداعم للشرعية اليمنية، فالرياض التي أعلنت مؤخراً عن توجه استراتيجي واضح لإعادة الانتشار العسكري ودمج التشكيلات المسلحة تحت قيادة موحدة تابعة لوزارة الدفاع وبإشراف مجلس القيادة الرئاسي، مدعوة اليوم لاتخاذ موقف حاسم وواضح تجاه الجماعة التي تواصل تقويض جهود الاستقرار تحت غطاء الشرعية، فبقاء محافظتي تعز ومأرب الاستراتيجيتين بمعزل عن خطة الدمج وإعادة الانتشار يمنح الإخوان مساحة آمنة لإعادة تشكيل أنفسهم عسكرياً وسياسياً، فبينما تتحول تعز إلى قاعدة خلفية في المرتفعات تعيد منها الجماعة تنظيم صفوفها وتحقيق اختراقات أمنية تمتد تداعياتها إلى العمق السعودي عبر شبكات التطرف والولاءات العابرة للحدود، تظل مأرب بموقعها اللوجستي وثقلها الاقتصادي والقبلي بيئة خصبة لإعادة التموضع وتغذية الجيوب غير النظامية، وتحويل المدينتين إلى ورقتي ضغط ومناورة في أي مسار سياسي مقبل، وهو ما يتناقض جذرياً مع الأهداف المعلنة للرياض في حماية أمنها الوطني ومكافحة الإرهاب، والفراغ هنا ليس غياب للسلطة بل حضور لمشروع بديل ينتظر التوقيت المناسب للانقضاض.
إن التعاطي المزدوج مع الإخوان تحت ذريعة الوحدة الوطنية أو الشراكة السياسية لم يعد مقبولاً في ظل الممارسات الميدانية التي تكشف عن أجندة تنظيمية لا تخضع لأي مرجعية وطنية، والسعودية التي تدرك أن أمنها القومي يبدأ من استقرار جاراتها، مطالبة اليوم بمراجعة شاملة لتحالفاتها في اليمن ووضع ضوابط صارمة تستبعد أي فصيل يدين بالولاء لتنظيم الإخوان أو يرفض الاندماج الفعلي في المؤسسة العسكرية الموحدة، خاصة في تعز ومأرب اللتين تمثلان المفتاح الاستراتيجي للسيطرة على المرتفعات اليمنية المهمة وطرق الإمداد نحو الساحل والصحراء، فإهمالهما أو تركهما ساحتين مفتوحتين للعبة التنظيم يعني منح الجماعة قدرة على المناورة والابتزاز ضد الحكومة الشرعية والتحالف، والأخطر من ذلك أن بقاء هذا الفراغ الأمني يتيح للجماعة بناء شبكات لوجستية ودعوية تمتد نحو الحدود السعودية، مما يحول اليمن من جدار صد أمام التطرف إلى جسر عبور له، وفي هذا السياق، لا يكفي أن تعلن السعودية عن خطة دمج القوات دون آليات تنفيذ صارمة تستثني عناصر الإخوان من المناصب الحساسة وتفكك شبكات الولاء التنظيمي داخل الأجهزة الأمنية والجبايات المحلية، كما لا يكفي الدعم المالي للحكومة الشرعية بينما تظل مفاصل القرار مخترقة من قبل تنظيم يهدف في النهاية إلى تقويض الدولة من الداخل، فالرياض مدعوة اليوم لربط دعمها العسكري والسياسي بالتزام واضح من جميع الفصائل اليمنية بنبذ الولاءات الخارجية والخضوع لقيادة عسكرية وطنية موحدة، مع وضع جدول زمني محدد لنزع سلاح التشكيلات الموازية وتصفية العناصر المتطرفة، وتقديم نموذج ناجح للدمج والهيكلة في تعز ومأرب بدلاً من تركهما ملاذاً للفوضى المنظمة، كما أن على المملكة الضغط على شركائها الإقليميين، خاصة قطر وتركيا، لوقف الدعم اللوجستي والمالي للجماعة في اليمن، لأن استمرار هذا الدعم يحول دون أي حل حقيقي للأزمة ويفرغ جهود الاستقرار من مضمونها.
ولمنع انهيار اليمن مجدداً في يد جماعة تجمع بين التطرف الفكري والتنظيم المغلق لا بد من استراتيجية وطنية متكاملة تبدأ بتوحيد القيادة العسكرية تحت مظلة مدنية واضحة ونزع سلاح التشكيلات الموازية وعزل العناصر المتطرفة من الأجهزة الأمنية عبر آليات تدقيق صارمة، بالتوازي مع عملية انتقال سياسي شامل يستبعد الجماعات المسلحة ويؤسس لدستور يضمن فصل الدين عن السلطة واستقلال القضاء والعدالة الانتقالية، ولا تكفي الإصلاحات السياسية والأمنية وحدها دون إعادة بناء الاقتصاد على أسس الشفافية والحوكمة الرشيدة وإدارة الموارد النفطية والغازية بعيداً عن التمويل الحزبي واستثمار العوائد في التنمية المتوازنة وخلق فرص عمل حقيقية تجرد التطرف من جاذبيته الاجتماعية، كما يتطلب الأمر مواجهة إيديولوجية هادئة عبر مراجعة المناهج التعليمية وتأهيل الخطاب الديني الوسطي وتنظيم المساجد ودعم الإعلام الوطني المسؤول وتعزيز الهوية اليمنية الجامعة التي تحتفي بالتنوع وتنبذ الطائفية والمناطقية، فالصراع الراهن ليس معركة عابرة على مواقع أو نفوذ بل هو اختبار حقيقي لقدرة اليمن على أن يكون دولة موحدة ذات سيادة كاملة أو أن ينزلق نحو الفوضى والهيمنة التنظيمية التي ستورثه عقوداً جديدة من التمزق والتبعية الخارجية، والخيار بين المسارين لا يُحسم في ساحات القتال وحدها بل في قوة الإرادة الوطنية ووضوح الرؤية السياسية وقدرة التحالفات الإقليمية على توحيد البوصلة الاستراتيجية لصالح استقرار اليمن وليس لصالح تجاذباتها الخاصة، والسعودية اليوم أمام فرصة تاريخية لترسيخ دورها كضامن للاستقرار الإقليمي من خلال موقف حازم تجاه الجماعة يترجم خطط الدمج العسكري إلى واقع ميداني يشمل كل اليمن، خاصة تعز ومأرب اللتين لا يجوز أن تظلا ثغرتين في جدار الأمن الوطني اليمني والخليجي، إن ثمن الوحدة مرتفع لكن ثمن الانقسام أعظم والفرصة التاريخية الراهنة تتطلب شجاعة لاتخاذ قرارات صعبة وحكمة لقيادة مرحلة انتقالية عادلة وإيماناً راسخاً بأن اليمن يجب أن يبقى لجميع أبنائه لا لفئة أو تنظيم يدعي احتكار الحقيقة والشرعية، فمصير الدولة يُصنع اليوم في كل قرار يؤسس للمؤسسة وكل خطوة تنزع السلاح عن الميليشيا وكل صوت يرتفع لصالح المواطنة على الولاء الحزبي، وهذا هو السبيل الوحيد لأن ينهض اليمن من رماد الحرب دولة قوية موحدة تحترم تنوعها وتستعيد دورها الطبيعي في محيطها العربي والإنساني، والسعودية مدعوة لأن تكون الرافعة الأساسية لهذا التحول عبر موقف واضح لا يقبل التأويل: لا مكان لجماعة الإخوان في اليمن الجديد، ولا مساحة آمنة لمن يهدد أمن الأمة تحت أي غطاء.