في مشهد صادم يعكس حجم التضييق الذي يتعرض له الفنانون في مناطق سيطرة جماعة الحوثي، اقتحمت عناصر مسلحة تابعة للجماعة، مساء الثلاثاء، حفل زفاف في مديرية ريدة بمحافظة عمران، واعتدت على فنان شعبي أثناء إحيائه المناسبة، قبل أن تقدم على إحراق آلته الموسيقية في تصرف أثار موجة استياء واسعة بين الأهالي.
وبحسب مصادر محلية، أوقفت عناصر الحوثيين الحفل بالقوة، واقتادت الفنان عبدالكريم يحيى سله إلى خارج موقع العرس، حيث تعرض للضرب والاحتجاز لساعات، في حادثة وصفها مواطنون بأنها “انتهاك فجّ” لحرمة المناسبات الاجتماعية واعتداء مباشر على حرية الإبداع والفن.
وأوضحت المصادر أن عناصر الجماعة عمدت عقب ذلك إلى تحطيم آلة العود الخاصة بالفنان وإضرام النار فيها أمام الحاضرين، في سلوك اعتبره ناشطون دليلاً إضافيًا على سياسة التضييق التي تنتهجها الجماعة تجاه الفنون والمظاهر الثقافية المرتبطة بالهوية اليمنية.
لا تُعد هذه الحادثة معزولة عن سياق أوسع من القيود المفروضة على الأنشطة الفنية في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث اشتكى فنانون وناشطون خلال السنوات الماضية من إلغاء حفلات، وفرض قيود على الأعراس والمناسبات، وملاحقة بعض الفنانين بحجة مخالفة “التوجيهات” أو “الضوابط” التي تفرضها الجماعة على الفضاء العام.
ويرى مراقبون أن استهداف الفنانين في مناسبات اجتماعية يعكس توجّهًا أيديولوجيًا يسعى إلى إعادة تشكيل الحياة العامة وفق رؤية أحادية، تتعارض مع الطبيعة التعددية للثقافة اليمنية، التي طالما احتفت بالفن الشعبي والغناء في الأعراس والمناسبات بوصفها جزءًا أصيلًا من الموروث الاجتماعي.
وأثارت واقعة الاعتداء على الفنان عبدالكريم سله موجة غضب في أوساط المواطنين بمحافظة عمران وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر ناشطون عن تضامنهم معه، معتبرين أن إحراق آلة موسيقية في حفل زفاف يمثل اعتداءً على الفرح الشعبي، ومحاولة لفرض قيود بالقوة على أنماط الحياة الاجتماعية.
وأشار متابعون إلى أن الأعراس في اليمن تُعد مساحة اجتماعية جامعة، تتجلى فيها الفنون الشعبية كالأغاني التراثية والعزف على العود، وأن استهداف هذه المظاهر يشكل مساسًا بالهوية الثقافية للمجتمع، وليس مجرد إجراء أمني عابر.
ويحذر حقوقيون من أن استمرار مثل هذه الحوادث دون مساءلة قد يفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات بحق الفنانين والعاملين في المجال الثقافي، في ظل غياب آليات حماية واضحة، ما يدفع البعض إلى العزوف عن ممارسة نشاطهم الفني خشية التعرض للعقاب أو الملاحقة.
ويؤكد مهتمون بالشأن الثقافي أن حماية الفنون لا تتعلق بحرية فردية فحسب، بل بصون الذاكرة الجمعية والهوية الوطنية، لافتين إلى أن التضييق على الفن يؤدي إلى إفقار المشهد الثقافي وتعميق الانقسام المجتمعي.
وفي ظل هذه التطورات، تبقى حادثة عمران مؤشرًا جديدًا على التحديات التي تواجهها الأنشطة الفنية في مناطق سيطرة الحوثيين، وسط دعوات لوقف الاعتداءات وضمان احترام الحريات الثقافية، وصون المناسبات الاجتماعية من أي ممارسات تمس طابعها السلمي والاحتفالي.