في السياسة، كما في الأخلاق، ليس الجحود مجرد نسيانٍ عابر، بل خيار واعٍ يُعبر عن خللٍ في السلوك. والجحود السياسي ليس فقط نكران المعروف لفظاً، بل محوه من الذاكرة الرسمية، أو تقزيمه إلى هامش لا يستحق الذكر.
الأخطر من الجحود ذاته هو ما ينتجه من سلوك سياسي لاحق: اندفاع أحادي، نزعة إقصائية، ومحاولات لإعادة توزيع النفوذ على حساب من وقفوا معه في الصف الأول. هنا تتحول الدولة الجاحدة من شريك في إدارة المخاطر إلى مصدرٍ جديد لها، لأنها تبني قراراتها على ذاكرة مبتورة، وعلى وهم القدرة المطلقة، متناسية أن الاستقرار الإقليمي لا يُدار بالعقوق السياسي، بل بالاعتراف المتبادل وحفظ الجميل.
غالباً ما ينشأ هذا الجحود من وهم الاكتفاء الذاتي. حين تعتقد الدولة الجاحدة أنها تجاوزت مرحلة الحاجة، فتتعامل مع شركائها السابقين بوصفهم عبئاً سياسياً أو تذكيراً غير مريح بمرحلة ضعف. عندها، يتحول الامتنان من عنصر قوة إلى عبء نفسي، ويصبح الاعتراف بالفضل تهديداً لصورة الذات التي تريدها أن تبدو مكتفية منذ البداية.
لكن الجحود في السياسة ليس مسألة أخلاقية فقط؛ بل له كلفة عملية باهظة، فهو يبدد الثقة، ويُضعف التحالفات، ويزرع الشك في أي شراكة مستقبلية من قبل أي شركاء مستقبليين . فالجحود ينتج سمعة غير مكتوبة، لكنها راسخة: شريك عند الحاجة، متنصّل عند انقضائها.
في نهاية المطاف، السياسة الواقعية لا تُلغي الأخلاق، بل تُعيد تعريفها كأدوات استقرار. والوفاء، في هذا السياق، ليس عاطفة، بل استثمار طويل الأمد في الثقة. أما الجحود، مهما بدا مغرياً في لحظةالغرور، فهو إعلان ضمني عن ضيق أفق، وعن عجز عن فهم أن السياسة في جوهرها ذاكرة قبل أن تكون قراراً.