في الطبيعة، هناك دودة طفيلية تُدعى Dicrocoelium dendriticum تتحكم في عقول النمل بطريقة غريبة.
تعيش هذه الدودة داخل النملة بعد أن تبتلع يرقاتها، ثم تقتحم جهازها العصبي ودماغها وتقوم بتهكيره!
يسلك النمل المصاب بهذا الطفيلي سلوكًا غير طبيعي؛ إذ يصعد إلى أعلى العشب عند الغروب ويُثبت نفسه هناك بفكيه. وإذا بقي حيًا، يعود إلى مستعمرته عند الفجر، ثم يعاود تسلّق العشب في اليوم التالي عند الغروب.
تفقد النملة سيطرتها على نفسها بعد أن تستولي الدودة الطفيلية على عقلها. هذا السلوك يجعلها فريسة سهلة للحيوانات العاشبة مثل الأغنام والأبقار، التي يحتاجها الطفيلي لإكمال دورة حياته داخل أجسامها. النملة لا تدرك أنها لم تعد تتحكم في أفعالها، بل تحولت إلى أداة في يد الطفيلي الذي يستخدمها للوصول إلى جسم الحيوان الذي سيلتهمها مع العشب.
وبالطريقة نفسها، هناك طفيلي فكري يُعرف بعبادة الاستبداد أو تمجيد “الرجل القوي”.
في معظم النقاشات حول الوضع السياسي في الدول العربية، ستجد آلاف المقالات والمنشورات التي تحذّر من الديمقراطية، وتُسوّغ للاستبداد، وتبرّر مصادرة الحريات، بينما نادرًا ما تعثر على عدد محدود من الأصوات التي تدافع عن الديمقراطية.
ستجد مئات الآلاف من الخائفين والمرعوبين من الديمقراطية والمحذّرين من “كوارثها”، في مقابل أقلية ضئيلة تخشى الديكتاتورية. ستجد من يخاف من الانتخابات ولا يخاف من المعتقلات، ومن يرتعد من حرية التعبير ولا يرى بأسًا في القمع والإقصاء، ومن يشكّك في العمل المدني لكنه يطمئن لجيش الديكتاتور وأجهزته الأمنية.
عندما يسيطر طفيلي عبادة الاستبداد على العقول، يجعل أصحابها يخافون من الحوار والتعددية وحرية التعبير، ويقنعهم بأن القمع والاستبداد هما الحل. وكما تفعل النملة المصابة التي تسهم في هلاكها بيديها، يساعد هؤلاء في نشر الاستبداد وهم يظنون أنهم يدافعون عن مجتمعاتهم.
الطريقة الوحيدة لمقاومة طفيلي عبادة الاستبداد وحماية العقول منه هي تعزيز الوعي والتعليم، حتى يتمكن الناس من التحرر من تأثيره قبل أن يُدمنوا التعلق بقشّة الاستبداد، وينتهوا إلى الابتلاع الكامل.