آخر تحديث :الأربعاء-21 يناير 2026-09:53ص
اخبار وتقارير

حقائق وأسرار أزمة المياه الخانقة في تعز... وغضب شعبي لوقف الحرب على المواطن

حقائق وأسرار أزمة المياه الخانقة في تعز... وغضب شعبي لوقف الحرب على المواطن
الأربعاء - 21 يناير 2026 - 01:28 ص بتوقيت عدن
- تعز - نافذة اليمن - محرم الحاج

تنتشر في أرجاء أحياء مدينة تعز فوضى عارمة، فأزمة المياه الخانقة أضحت جزءاً من معاناة يومية يتجرعها المواطنون في مشاهد تعيد إلى الأذهان ما عانه سكان تعز في سنوات الحرب الأولى، أثناء الحصار المطبق على المدينة من قبل ميليشيا القتل والتعذيب الحوثية الإرهابية.

كانت مدينة تعز قبل الحرب تعتمد على 88 بئراً لتغذية المدينة بالماء، تتوزع على أربعة حقول مائية، منها 18 بئراً في منطقتي الحوجلة والعامرة، بالإضافة إلى تسعة آبار في منطقة الضباب حذران، و23 بئراً في مناطق الحيمة وحبير، و38 بئراً تتوزع في مناطق المدينة.

وكانت قدرة تلك الآبار الإنتاجية قبل الحرب تصل إلى 20 ألفاً و600 متر مكعب في اليوم الواحد، وانخفض الإنتاج بشكل كبير ليصل إلى 5 آلاف و768 متراً مكعباً، وهو ما فاقم أزمة المياه في المدينة بشكل غير مسبوق.

قمنا بزيارة ميدانية إلى عدد من أحياء مدينة تعز بغية سماع شكاوى الأهالي هناك، حيث شاهدنا صوراً لم يكن يتوقع حدوثها: مواطنون ينقلون مياه الشرب على ظهر الدواب (الحمير)، وأمهات وأطفال تركوا منازلهم بحثاً عما يروي ضمأهم، وآخرون يصطفون في طوابير وبأيديهم (دِبَب) أمام خزانات سبيل فارغة. الماء أكثر هموم الناس.

يقول أهالي تلك الأحياء إن مشكلة المياه باتت تؤرق مضاجع الجميع في ظل تقاعس الجهات الحكومية لوضع الحلول المناسبة التي تنهي مشكلاتهم.

محمد محمود قال: "أنا موظف على قدر حالي وراتبي 100 ألف ريال فقط، وفوجئت بأن سعر الـ 2000 ليتر من الماء ارتفع من 20 ألف ريال إلى 40 ألف ريال، علماً أني أستخدم وأسرتي شهرياً ما لا يقل عن 5 آلاف ليتر، ما يعني أن راتبي بالكاد يكفي فقط لما نحتاجه من ماء للاستخدام اليومي".

وأضاف محمود: "نعيش في ظل حالة فوضى، منذ بدء الحرب والسلطة المحلية عاجزة عن إعادة تشغيل مشروع الماء لكافة أحياء المدينة، وأصحاب وايتات الماء يرفعون أسعارها بين الحين والآخر بشكل عشوائي ومزاجي، وفي ظل غياب الرقابة من الجهات الحكومية".

وتابع: "وفي ظل هذا الوضع، نضطر للبحث عن توفير ما يمكن الحصول عليه من الماء من الوايتات الخاصة بفاعلي الخير (ماء السبيل) التي تُوزَّع في بعض الحارات"، لافتاً إلى ما تتسبب به مشكلة انعدام المياه من مشكلات اجتماعية وأسرية، ومشاجرات بين سكان الحي أنفسهم أثناء انتظار دورهم في الحصول على المياه.

فارق سعري شاسع

كشف صاحب صهريج مياه (وايت) عن فارق سعري شاسع بين تعبئة وايتات المياه في الحوبان، وآبار التعبئة داخل مدينة تعز.

صاحب الوايت الذي اشترط عدم ذكر اسمه خشية التنكيل به أكد لنا: "لدينا وايت سعة 4000 لتر، يُعبأ من آبار الخيامي بسعر ما بين 25,000 إلى 30,000، بينما التعبئة في آبار الحوبان ما بين 6,000 إلى 8,000 ريال".

وأضاف: "نحن عمال ولدينا أسر نحن مسؤولون عنها، وأحياناً يُباع الماء بسعر التكلفة، ونخسر من ذلك. وللمطالبين بتخفيض سعر وايت الماء عليهم ضبط سعر الصرف، وأسعار المشتقات النفطية، وتوفير الآبار التي تغذي المدينة بالماء، وإيقاف الجبايات المالية المفروضة علينا، وحينها سنلتزم بسعر ثابت، لأن الوضع خارج عن إرادتنا".

وبحسب الأهالي، فإن الجهات المختصة لا تكتفي بتحصيل الأموال من موارد الآبار القديمة والجديدة، بل تقوم أيضاً بربط شبكات مياه خاصة إلى عدد من المطاعم والفنادق والمنازل، لفرض اشتراكات قسرية بأسعار وصفت بـ"المرهقة"، ما فاقم من معاناة السكان.

وبشأن ما يعانيه أهالي أحياء مدينة تعز، حاولنا التواصل مع مدير عام مديرية المظفر عبر "الواتساب" ليوضح للناس إن كان لديه خطة مائية أو دراسة لحل أزمة المياه الخانقة في مديريته، والاستفسار منه عن سبب إغلاق بئر مركزي المظفر في تعز الذي أُعلن عن بدء تشغيله منذ نحو أسبوعين؟ لكنه، كالعادة، تكبر وتعمد عدم الرد على رسائلنا.

فساد يتراكم… وتحقيقات جارية

وفي ظل هذه التطورات، تتوسع الاتهامات الموجهة إلى مؤسسة المياه والصرف الصحي في تعز، حيث تحدثت مصادر محلية في مديرية المظفر عن "مافيا فساد" تتحكم بالمؤسسة منذ سنوات، مؤكدة أن إداراتها المتعاقبة استخدمت المشاريع والتمويلات الخارجية لمصالح شخصية وصفقات مشبوهة.

وأكد مصدر مطلع – فضَّل أيضاً عدم ذكر اسمه – أن الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة يجري تحقيقات في مخالفات مالية وفساد إداري داخل المؤسسة، في ظل غياب تام للرقابة والمساءلة، وتراكم ديون لم تُسدَّد منذ أكثر من خمس سنوات للشركات المتعاقدة.

وأضاف المصدر أن معظم المشاريع تنفذ بتمويل دولي، بينما تقوم المؤسسات المحلية برفع كشوفات إنفاق كبيرة لا تعكس حجم الخدمات المقدمة فعلياً.

دعوات لإجراء إصلاحات جذرية

واختتمت هذه التحذيرات بالتأكيد أن غياب المتابعة من قبل قيادة المحافظة خلق بيئة خصبة للفوضى والتجاوزات، داعين إلى تفعيل رقابة حقيقية على المؤسسات الخدمية، ووضع استراتيجية واضحة لإدارة ملف المياه ضمن خطة زمنية ملزمة، كحل وحيد لتخفيف معاناة المواطنين ووضع حد للأزمات المتفاقمة.