آخر تحديث :الثلاثاء-16 أبريل 2024-11:18م

فن وثقافة


السينما تصادر خيال قرّاء الروايات

السينما تصادر خيال قرّاء الروايات

الأربعاء - 11 نوفمبر 2020 - 12:13 م بتوقيت عدن

- نافذة اليمن - وكالات

جاء في جلسة حوارية أقيمت عن بعد عبر منصة “الشارقة تقرأ” ضمن معرض الشارقة الدولي للكتاب أدارها الإعلامي مصطفى الأغا وتحدث خلالها الروائي والكاتب المصري أحمد مراد، عن الرواية وعلاقتها بالسينما ودور الخيال في صناعة القيمة الفكرية والجمالية للعمل الإبداعي، أنه لا يكتب من أجل السينما وإذا فعل ذلك فسيخسر كثيرا.

وجاء في شهادة الكاتب والسيناريست الذي ترشحت روايته “الفيل الأزرق” إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عام 2014، أنه لا يضع في ذات الوقت حدا لكتابته وفق رؤية ومنظور المنتجين، ولهذا يفرق الكاتب الذي نالت أعماله جوائز في إنجلترا وفرنسا وأوكرانيا بين جمهور الكتاب وجمهور السينما. ولا ينكر مراد أن السينما تسهم في انتشار الرواية بشكل كبير، مضيفا “لكنني أكتب الخيال، وإن كان بمقدور السينما أن تترجمه فهذا أمر جيد”، وكان ذلك في معرض الشارقة للكتاب يوم السادس من نوفمبر الجاري.

تحيلنا هذه الشهادة إلى مسألة في غاية الدقة والحساسية، وهي أن الكتابة الأدبية شيء، والصناعة الروائية شيء آخر، أمّا أن يقع “التزاوج والمصاهرة” بين هذين الجنسين المختلفين -وبنفس المزاج في القبول والتلقي- فأمر يشبه خلط الزيت بالماء.

متعة المشاهدة تختلف عن متعة القراءة، ولا ينبغي المقارنة بين آليتين للتلقي، فلكم أُصيب قراء كثيرون بإحباط شديد عند مشاهدة المواد الورقية التي سحرتهم وهم يقرأونها في أجواء رائقة وقد تحولت إلى مادة فيلمية تجسدها شخوص غير تلك التي في أذهانهم لحظة القراءة.

أضف إلى ذلك عناصر ومتممات درامية أخرى في اللون والصوت والموسيقى وأساليب التقطيع والحوار وزوايا التصوير والرؤية، بالإضافة إلى مجموعة الاختصارات أو المحذوفات أو الإضافات.

لنقلب المعادلة، ونتخيل فيلما سينمائيا آسرا، استحوذ على كل حواسك أثناء المشاهدة ثم سلمه إياك السيناريست على الورق وهو يعج بجداول توزيع الأدوار والشخصيات والإرشادات الإخراجية والملاحظات التقنية، وحتى اقتراح أحجام وأرقام عدسات الكاميرا.. هل كنت ستستمتع بقراءته بنفس السوية التي تشاهده فيها وأنت أمام شاشة جاهزة مثل مائدة عشاء شهي، وبعيدا عن تفاصيل المطبخ وطرق التحضير؟

يمتلك كل واحد منا داخل تلافيف دماغه أثناء قراءة أي أثر أدبي، “مخرجا صغيرا” يوزع الأدوار ويختار الثياب والألوان والأمكنة بعناية فائقة ثم يأتي من ” يتعسف” على خياله فيخلط أوراق اللعبة و”يشوه” الصورة التي سجلتها عدسة خياله ليحولها إلى مقترح بصري لا يرضي ماكينته الإخراجية أثناء القراءة التي تشبه الكتابة الثانية.

كثيرون هم الكتاب والروائيون الذي حضروا أول عروض أعمالهم المتحولة إلى السينما وقد صرخوا غاضبين محتجين بين حشود المتفرجين: هذه ليست أعمالنا.

من منا لم يصب بإحباط شديد أثناء مشاهدة روايته المفضلة وقد تحولت إلى فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني؟

قس على ذلك في القصيدة حين تتحول إلى أغنية أو رقصة أو حتى لوحة تشكيلية.

“غرباء يرتدون ثياب المرحوم الميت.. يا لهذه الوحشة والإحباط الموجع”، هذا ما يقوله لسان حال كل من تعلق بأثر أدبي ثم شاهده مجسدا على الشاشة أو الخشبة أو اللوحة أو حتى مسموعا فوق مسرح غنائي.

الأمثلة في هذا الصدد لا تحصى ولا تعد بل تكاد تكون قاعدة تمتد من المسرح الإغريقي إلى أيامنا هذه، فلا تتوقف عند شخصيات سوفوكلس هي نفس التي تخيلها صاحبها، ولا أمراء شكسبير ومهرجيه، لا خدم موليير ومحتاليه ولا أشقياء تشيخوف ومتعبيه، ولا حتى زوربا، نيكوس كازنتازاكيس، أو أبله دوستوفسكي، لا ولا أجواء همنغواي وحارات نجيب محفوظ أو أطياف جان جينيه وصعاليكه.

الشاي الأخضر هو شاي أخضر، كذلك فإن الشاي الأحمر هو شاي أحمر، فلا مجال للمقارنة أو المقاربة، خصوصا أنك إزاء مادتين مختلفتين في النكهة والمزاج وطريقة التحضير.

الممثل هو “قلم المخرج” فوق ورقة تمثلها الخشبة المسرحية أو البلاتوه السينمائي، كما أن الكاميرا هي خيال المخرج الذي يختار لك ما يريد قوله، لكن الكتاب هو الطينة اللينة التي بإمكانك تشكيلها كيفما أحببت.

الإخراج السينمائي أو المسرحي هو بمثابة الكتابة الثانية للنص الأول أما الكتابة الثالثة فهي التلقي وآلياته لدى المتفرج أو حتى الناقد.

ألم يبتكر سيلفادور دالي للموناليزا شاربا معقوفا كذلك الذي يمتلكه تحت أنفه، واكتفى بيكاسو بخطين عشوائيين للدلالة على قرني الثور الإسباني. وجعل شارلي شابلن من هتلر مهرجا، وحوّل ألبير كامو، وجهة الإمبراطور الروماني كاليغولا، ليصنع منه شخصية وجودية، عداك عن قراءة المخرج بازوليني السينمائية لشخصية أوديب الملك.

الأمر يشبه القاعدة الصحفية القائلة إن “الخبر مقدس ولكنّ التعليق حر”، أي أن طريقة التناول تختلف باختلاف المعدّين والمخرجين وكذلك الممثلين، لأن الأثر الأدبي يخرج من نرجسية صاحبه ليصبح مادة قابلة للتأويل وتعدد القراءات.

ذلك هو قدر الأعمال الكبيرة.. يكتب لها الخلود بفضل عبقرية صاحبها وقدرته على تقديم مادة حمّالة أوجه، فشكسبير هو واقعي للواقعيين، رمزي للرمزيين، تراجيدي للتراجيديين وكوميدي للكوميديين.

ثمة خط أرق من الشعرة بين الإعداد الفني المبني على أسس وقواعد وضوابط فنية، وبين التشويه وغياب الذائقة والمهارة، والذي يتعمد عن قصد -أو غير قصد- مسخ الأثر الأدبي ومعالجته بلغة مسطحة لا عمق ولا نكهة فيها.

حفظ حقوق التأليف أمر تكفله القوانين والتشريعات، فهذا أمر لا جدال فيه، وبناء على ذلك فبإمكان المعد أن يتصرف حتى ولو فكّر في تحويل إحدى أغاني عبدالحليم حافظ، إلى راب.. شرط الإشارة إلى الأصل والإيفاء بما تخلّد بذمته من حقوق مادية ومعنوية.

أمر آخر ينبغي الإشارة إليه ووضعه في الاعتبار، وهو أن السينما، وحين لا تمتلك التقنيات اللازمة في تجسيد خيال الروائي، تصبح عبئا من شأنه أن يشوه الأثر الأدبي، ذلك أن الإخراج هو إضافة وعي جديد إلى ما أراده الكاتب وليس عملية فرملة وقص أجنحة فتصبح عندئذ عملية تقزيم وتحجيم.

وبالعودة إلى معرض الشارقة الدولي للكتاب الذي أصبح منصة دولية مرموقة وهمزة وصل شديدة الأهمية بين القارئ والكاتب والكتاب، أكد الكاتب والروائي المصري أحمد مراد أن وجوده في قائمة الكتب الأكثر مبيعا سببه بحث الناس عن الرواية التشويقية التي يفتقدها الوسط الثقافي العربي، مشيرا إلى أن هذا النوع من الروايات غير تاريخ الأدب حول العالم وساهم في إيجاد حالة جديدة ومتطورة على صعيد بنية العمل الروائي الذي يعتمد على الخيال كمحرك له، وهو أمر يؤكد ما أردنا الذهاب إليه حول أن عملية تحويل العمل الأدبي إلى سينمائي، إضافة أو لا تكون.