آخر تحديث :الثلاثاء-23 أبريل 2024-09:29م

فن وثقافة


السِينمَا والمَسرَح بين الإهمَال والنِزَاع!

السِينمَا والمَسرَح بين الإهمَال والنِزَاع!

الجمعة - 09 أكتوبر 2020 - 03:37 ص بتوقيت عدن

- نافذة اليمن - نسيم الشرعبي

يُعتبر المَسرَح والسينمَا من الفُنون الإنسانية الهَامَة التي تُغذّي ثَقافة المُجتمعات وتُقدم لَهم وسيلَة للتَرفيه أيضاً ومُؤثرة في اتجاهات وسلوكيَات الأفراد والمجتمعات، وهو وَاحِدة من أشكَال التَعبير المَدنيّة للمُجتمعات والفئات المُختلفة التي يُعبر عنها الكَاتِب أو المُمثل أو المُخرج.

حديثنا هنا سيُسلِط الضوء عن تَاريخ ووَاقع المَسرح والسينمَا لَيسَ تَرفاً كمَا قد يَقول البَعض في ظِلّ الحَرب والنّزاع والحَالة الإنسانيّة التي تَعيشهَا اليَمن واليَمنيون مُنذُ أكثر من خَمس سَنوات.

فَللفُنون وعلى رأسهَا المَسرَح والسينمَا دَور كَبير في التنميّة الثقافيّة ومُواجَهَة النّزاعَات والدَعوة الى السّلام وتِبيَان الحَال وربما أن السُخرية في العَمل المَسرَحي تُقدم الكَثير من الانتقادات نَحو إصلاح العُقول أولاً واليَمن ثانياً.

تَاريخيّاً المَسرَح هو من أول وأقدَم الفُنون على وَجه الأرض، وقَد عَرَف اليَمنيون المَسرَح مُنذُ القِدَم خَاصَة في عَهد السّبئيين كَما يُشير الإخباريين بأن الشَواهد على ذلك كَثيرة ومنها تِلك المَبَاني المَسرَحيّة والصُروح المُجانِبَة لسَد مَأرب ومَعبَد الشَمس.

في ظِلّ تَطوُرهَا من نَواحِي كَثيرة تتعلَق بنَوعيّة المَضمون والمُمثلين والمَهارات وغير ذلك الذي شَهِد تَطوراً حَسب الزّمان والمَكَان والوَقائِع والتَرفيه لَكن المَسرَح فِعليّاً كَان ظُهوره في عَدن مُنذُ بدايَة القَرن العِشرين في العام 1905م وكَان أول عَرض فيها لمَسرَحيَة بعنوَان "شُهدَاء الغَرام"؛ 
بينمَا السينمَا عالمياً لَم تأتِ إلا تَدريجيّاً كمَا هو مَعروف تَرافَقت مَع تَطوّر التَصوير مُنذُ البِدايَات الأولى في القَرن الثَامن عَشَر ووُصولاً إلى القَرن التَاسع عَشَر الذي شَهِدَ تَطوراً سَريعاً وازدهَاراً في العَمل السينمَائي من النَاحية التقنيّة والفنيّة والثقافيّة وخُصوصاً بَعد الحَرب العَالميّة الثَانيَة.

وقد دَخلَت السينمَا إلى اليَمن نهايَة خَمسينيَات القَرن المَاضي عَبرَ البِعثَة الرّوسيَة إلى اليَمن التي كَان مَقرّها في تَعز ولكنها كَانت لأشخَاص مَحدودين ، وقد سَاعدت ثَورتَيّ سِبتمبَر 1962م وأكتُوبَر 1963م في تَرسيخ هذه الثَقافة والانفتاح الإنسَاني والتَبادل الثَقافي بين اليَمن والشُعوب الأخرى، ومَع أنّ أوَل سينمَا كَانت في العام 1942م بعَدَن إسمهَا سينمَا "شَاهينَاز"، إلا أنّ دُور السينمَا في اليَمن انتشرَ وتوَسَع بَعد الثَورتين، حَيثُ كَانت أوَل سينمَا هي سينمَا "بِلقِيس" في صَنعَاء عام 1967م ، ثمَ وصَلَ بعدهَا عَدد دُور السينمَا إلى 49 دار مُنتشرَة في كلٍ من عَدَن وصَنعَاء وتَعز لكنها تَقلَصَت كَثيراً في التسعينيَات من القَرن المَاضي لأسباب تتَعلّق بالمَد الدِيني المُتشدد الذي كَرر مَا فَعلَه سَابقاً الإمَام يحي حميد الدين مع أحد المستثمرين الأجانب في أربعينيات القرن الماضي فلَم يسمح له بإنشاء سينما حفاظاً على النساء من الاختلاط والغزو الفكري غير الإسلامي، والسَبب الثَاني ضُعف الاهتمام بالسينمَا وأهميتهَا كثقافَة مَدنيَة مُجتمعيَة شَعبويَة على الرّغم من أنَ مَا وُجدَ في اليَمن هو صَالات عَرض لأفلام غير يَمنيّة ولَيس صِناعَة السينمَا اليَمنيَة وعَرضهَا في دُور السينمَا حيثُ لا زَال اليَمنيون في البدايَات الأولى لصناعَة السينمَا والأفلام وأيضاً إنتَاج المَسرَحيَات الخَاصَة بِهم.

أهتَمّ اليَمنيون بمتَابعَة المَسرَح والسينمَا وبالأخيرة كَان اهتمامَهم وحُضورَهم أكَبر خَاصة في السبعينيات ولكنها أُغلقت واندَثرَت مع بَدايَة القَرن الوَاحد والعشرين ولَم يَعُد أحَد يَهتَم بإعادتهَا، بالمُقابل كَانت الجُهود والمُحاولات للإبقاء على المَسرَح من قبِل الفَنانين والمَعنيين إلا أنَ الإهمَال لثقافَة المَسرَح كان المُنتصر مع أن الجُهود مَا زالت مُستمرة لإحياءه. 

والجَدير بالذِكر هنا أنَ مدينَة التُربَة في مُحافظة تَعز -أحد أريافهَا – أُنشئَت فيها دَار للسينمَا والمَسرَح في بدايَة السَبعينيات ولكنها اليَوم بَدَت مُتهدمة وَتحولَت إلى أثَر قَابِل للاندثار والتي تُعتبر شَاهداً تَاريخيَاً على ثقافَة المُجتمع اليَمني وانفتاحه الثَقافي.

يَحدُث ذلك على عَكس ما يَجري من تَطوُر العَمل السينمَائي خلال العَصر الحَديث عَالمياً من حَيث إنتاج وعَرض الأفلام السينمَائية الوَاقعيّة والوثائقيّة والعلميّة والترفيهيّة على الرّغم من التكنولوجيا الحَديثة المنتشرة عند الجميع إلا أنّ السينمَا ما زَالت ثقافَة قائمَة ومَوجودة بِذاتهَا.

أما المَسرَح فلَم يَندثر في أيّ مَكان بالعَالم حتى في الدّول التي مَرَت بنزَاعَات مَا زالت تَتمسَك بالمَسرَح وتتطوَر بأدائهَا ومضَامينهَا وتنوّعها بين العِلميّة والهزليّة والشعبيَة بل وحتى المَسارح الخَاصَة بالأطفال ، وفي هذا الصدد تَجدُر الإشارة الى علاقة النسَاء بالمَسرَح والسينمَا فهي مُشاركة وحَاضرة ولكن وفقاً لإجراءات مُحَافِظة تُراعي الأعرَاف المُجتمعية، ففي المُشارَكة هي حَاضرة وبقُوة ولكن مُنذُ وقت قَريب كَفنانَات ومُمثلات وعَاملات في الجَوانب الفَنيّة لكن لَيس هُناك نِساء كاتبَات لمَسرحيَات أو قِصَص أفلام؛ أمَا كحَاضرات فَهُن مَوجُودات مُنذُ بدايَات السينمَا والمَسرَح بَعد الثَورة خُصوصَاً في عَدَن.

كَتَب الكثيرون عن تاريخ السينمَا والمَسرَح في اليَمن وتحديَاته المُعاصرة مثل د.عبدالعزيز المقالح والأستاذ علي عقبي، كمَا عَاودت عدد من المَقالات إلى التَذكير بأهميتها إضافة إلى إشارات لها في كُتب عن تَاريخ اليمن مثل كِتاب د.أحمد عبيد بن دغر وكتاب "كنت طبيبة في اليمن" ، ومن نَاحيَة أخرى يَبدو أن هُناك روايَات وقِصَص وغيرَها كُتَابَها يَمنيُون يُمكن أن تَكون رَافداً للمَسرَح والسينمَا اليَمنيّة لتَكون عَمليَة يَمنيّة خَالصَة لَكن لَيس هُناك مَن يَستطيع صِناعتهَا للمَسرَح والسينمَا بصُورتها الكَاملَة ولا الإمكانيات اللازمة لذلك، هذا في ظِلّ الفَعاليات من ندوات ومؤتمرات وطنية وإقليمية التي يُناقش ويبحث فيها الفَنانُون والمُمثلون المَسرحيون والسينمَائيون كيفية إعادة القيمَة الإنسانيّة الثقافيّة لهذه الفُنون وسُبل حَث الجهَات المَعنية على الاهتمام بهَا.

إن التنشئة المجتمعية على ثقافة الفنون والإبداع بمَا فيها المَسرَح والسينمَا تُعتبر من أهم طُرق التربيَة الحَديثة للأطفال، فقد عَملَت الجَماعات الكَشفية والمَدارس وفي الجَامعات على أنشطة مَسرَحيَة مَحدودة في أروقتهَا باعتباره مَسرَح مُصَغر لتَقديم مَقاطع شَبابيَة وطُلابيَة وتَعليميّة وإذاعيّة وتثقيفيّة لكنهَا مَا لَبثَت أن تَتقوى حَتى تَوقَفت مَع الوَضع الحَالي في اليَمن مع أنها شَكّلت عمليَة تفاعليّة متميّزة.

 ومن المُهم القَول أن هذا التَراجع بشكلٍ عَام كان لَهُ أثر كَبير في ضُعف الفِكر الجَمعي، فقد تَحولَت المَنابر الثَقافيَة والمُجتمعيَة كُلها من مَسارح ومَساجد ومَدارس وجَامعَات وأنشطة مُجتمعيّة إلى مَنابر مُوجَهة دَاعيَة للحَرب والعُنف بَدلاً من السّلام والتَنمية وتَعليم القِيَم الإنسانيّة والاجتماعيّة.

حيثُ يُمكن أن يَكون الفَن بكُل أشكَالِه واحِدة من وسَائل الضَغط المُجتمعي لوَقف النزَاعَات وتَقديم تَصورَات وحُلول شعبيَة لحل الصِراعَات بَل والمُساهمة في تَنفيذها، والأجدر أن يتم الاستفادة من طاقات الشباب ليصنعوا تَاريخ ثقافي مُتنوع بَدلاً من استغلالهم في الحُروب فالمؤكد أن لَديهم قُدرات وابداعَات كَثيرة ومُتعددة وهناك أيضاً مُنظمات المُجتمع المَدني التي عَملَت فترة من الفترات على إنتاج أفلام تعليميّة وتوثيقيّة مُفيدة وقدمت عروضاً مسرحية مؤقتة توعوية.

لا يُمكن أن يَحيَا شَعب يَتم تَدمير تَاريخُه وثقافته وحَضارته ولا يَتم الاهتمَام بتَطوير تلك المُمارسَات المَدنيّة الفُضلى التي تُعزز قِيَم التسَامُح وتَنبُذ الكَراهيّة وتَحمي الحُقوق ويَجد فيها النَاس مَساحَات من الحُريَة وأن تكون مَنابره الثقافيّة من أجل التَوعيَة وبنَاء وَطن حَضَاري، فلماذا لا تَعمَل الجهات الرّسمية المَعنيَة بالمَسرَح والثقافة والفُنون وتلتقي مع الأدباء والكتاب والفنانين والمستثمرين في المسارح والسينما والإنتاج للقيام بأعمال مُتكاملة يَمنيَة تَاريخيَة أو مُعاصِرة أو بأيّ شَكل كان ، فيمكن أن تعلب السينما والمسرح دوراً فاعلاً في إحلال السلام والتنمية الثقافية والتعايش والتسامح وأيضاً في تقديم الواقع بما يعطي صورة لمراجعة أنفسنا في ظل الأوضاع التي نعيشها وكيف يمكننا الخروج منها وتجاوزها.