ليست القصة مجرد معركة بين دولة وجماعة مسلحة، ولا هو صراع مؤقت على سلطة أو كرسي حكم.. الموضوع أعمق بكثير. إنها مواجهة بين فكرتين، بين زمنين، وبين طريقين مستحيل أن يلتقيا.
هي معركة بين العلم والخرافة، بين الحرية والاستعباد، بين المواطنة والتمييز السلالي، وبين العدل والتسلط.. هي باختصار: الجمهورية في مواجهة الإمامة.
وأنا فعلا أستغرب ممن يقفون اليوم مع مشروع الإمامة، خصوصا أولئك الذين كنا نحسبهم من المتعلمين والمثقفين! أناس سافروا وجربوا العيش في دول العالم، ورأوا كيف تنهض المجتمعات بالعلم، وكيف تُبنى الأوطان بمفهوم المواطنة، وكيف يقف الجميع أمام القانون مساوين، لا ميزة لأحد على آخر بنسب ولا بسلالة.
كيف رأوا كل ذلك، ثم قبلوا لليمن ما لا يمكن أن يقبلوه لأنفسهم؟
كيف يقبل عقل استوعب معنى "الدولة الحديثة" أن يتصالح مع فكرة أن هناك "عرقاً" خُلق ليَحكم، وبقية الناس خُلقوا ليُحكموا؟ كيف لإنسان متعلم أن يبرر تمييزا سياسيا يعتمد على الشجرة والنسب، أو يرى اليمني مواطنا من درجة ثانية لمجرد أن لقبه لا ينتهي لسلالة معينة؟
لقد جاءت ثورة 26 سبتمبر لتقولها بوضوح وقوة: لا سادة ولا عبيد، لا حق في الحكم يُورث بالدم، ولا وطن يكون فيه إنسان أرفع من آخر بفرز جيني.
الجمهورية ليست مجرد رئيس أو حكومة أو حزب، فهؤلاء جميعاً قد يخطئون أو يرحلون، الجمهورية هي الفكرة الأكبر والأعمق: أن يولد اليمني حراً، مواطناً كامل الحقوق والكرامة في أرضه، يصل لأعلى المناصب بعلمه وكفاءته وإرادة الناس، لا بنسبه وشجرة عائلته.
لهذا معركتنا ليست مع أشخاص، بل مع الفكرة التي تحاول إعادة اليمني من "مواطن" صاحب حق إلى "تابع" مأمور بالمعاملة والطاعة. وسيظل سبتمبر هو البوصلة التي تذكرنا دائماً بأن اليمنيين، مهما تعثرت جمهوريتهم، قد عرفوا طريقهم الصحيح: وطن يتساوى فيه الجميع، ولا حق مقدس فيه لأحد على حساب كرامة الآخرين.
سيظل سبتمبر مجيدا، وسندافع عنه من أجلنا ومن أجل أبناءنا وأحفادنا.
- من صفحة الكاتب على فيسبوك