لم يكن الرئيس الأميركي الأول يعرف شيئاً عن جبال اليمن ولا عن جزيرة ميون، لكنه اختصر واحدة من الحقائق التي لا تشيخ في السياسة، وهي أن السلام الذي لا تحرسه القوة يتحول إلى استراحة يستعد خلالها الآخرون للحرب. وهذه هي الحكاية التي ينبغي أن تُروى لفهم السقوط الدراماتيكي لباب المندب، فما حدث لم يبدأ عندما وصل الحوثيون إلى المضيق، وإنما قبل ذلك بأشهر، عندما وقع زلزال حضرموت السياسي والعسكري في يناير 2026، فتصدعت معادلة أمنية ظلت سنوات تضبط أجزاء واسعة من الجنوب العربي والساحل الغربي، وما نشهده اليوم ليس زلزالاً منفصلاً، وإنما ارتداد متأخر وصل إلى البحر الأحمر.
خروج الإمارات من اليمن لم يُخرج الجغرافيا من مكانها، بقيت حضرموت، وبقيت عدن، وبقي باب المندب، وبقي الحوثي يراقب الفراغ ويتربص اللحظة المناسبة. وهذه إحدى أكثر قواعد السياسة قسوة، وهي أنه عندما تنسحب القوة لا تنسحب الأخطار معها. الفراغ في الشرق الأوسط ليس مساحة بيضاء، وإنما دعوة مفتوحة لأكثر اللاعبين تنظيماً كي يتقدم ويضع رايته فوقها. وبين حضرموت في يناير وباب المندب في سبتمبر خط سياسي وعسكري واضح، اختل ميزان القوة، تفككت ترتيبات، اهتزت جبهات، ثم جاءت النتيجة التي كان ينبغي توقعها، وها هم الحوثيون على باب المندب.
كانت عملية “الرمح الذهبي” أكثر من مجرد عملية عسكرية، كانت قراءة للجغرافيا قبل أن تكون تحريكاً للجيوش. الفكرة التي قامت عليها بسيطة وعميقة: عدن لا تُحمى من شوارع عدن وحدها، وأمن الجنوب العربي لا يبدأ عند حدوده الإدارية، وإنما من المساحات التي يمكن أن يتحول اختلالها إلى تهديد مباشر له. باب المندب هو البوابة الغربية لأمن عدن، كما أن البحر الأحمر عمق متصل بالقرن الأفريقي والمحيط الهندي. يمكن الاختلاف سياسياً مع الإمارات، لكن يصعب الاختلاف مع الجغرافيا بعدما أصدرت حكمها بهذه القسوة. ولذلك ستبقى ما قامت به الإمارات في اليمن أكبر من مجرد رواية مجيدة، كان تشكيلاً لوعي سياسي.
اليوم يقف الحوثيون عند باب المندب، وهنا تتغير طبيعة الحرب. الجماعة التي كانت تحتاج إلى الصواريخ والمسيّرات لتهديد السفن من مسافات بعيدة أصبحت تمسك بجغرافيات منحت تهديدها معنى مختلفاً. لم تعد المسألة متعلقة بصنعاء وصعدة والحديدة، نحن أمام قوة مسلحة تمتلك ترسانة صاروخية ومسيّرات وشبكات عسكرية، ثم أضافت إلى ذلك موقعاً مباشراً على واحد من أهم شرايين التجارة العالمية.
لكن هنا تبدأ المفارقة التي ربما لم يستوعبها الحوثيون بعد، وهي أنهم قد وصلوا إلى باب المندب في أسوأ توقيت ممكن لهم. منذ 28 فبراير تغير الشرق الأوسط، الحرب على إيران لا تبدو مجرد مواجهة تقليدية تنتهي بخسارة عسكرية ثم مفاوضات، ما يجري يمكن قراءته باعتباره صراعاً أوسع على شكل الجغرافيا الإيرانية نفسها، وعلى الشبكة التي بنتها طهران خلال عقود من لبنان إلى العراق واليمن، مستندة إلى السلاح والأيديولوجيا والجماعات التي تحولت تدريجياً إلى دول داخل الدول. وإذا كان سلاح حزب الله أصبح جزءاً من سؤال مستقبل الدولة اللبنانية، وإذا كانت الفصائل العراقية تواجه سؤال احتكار الدولة للسلاح، فكيف يمكن أن يبقى الحوثيون استثناء وهم يمسكون اليوم بباب المندب؟
لا يمكن تقليم أغصان المشروع الإيراني وترك أخطرها جغرافياً فوق واحد من أهم مضائق العالم. ربما أخطأ الحوثيون عندما اعتقدوا أن الوصول إلى باب المندب يمنحهم حصانة إضافية، بينما قد يكون منح العالم سبباً أكبر للتعامل مع سلاحهم. صنعاء شيء وباب المندب شيء آخر. يستطيع المجتمع الدولي أن يؤجل أزمة داخلية سنوات طويلة، وأن يترك الحروب تتعفن خلف الجبال، لكن المضائق لا تمتلك رفاهية النسيان. ناقلات النفط لا تقرأ بيانات السياسة، وشركات التأمين لا تعترف بالشعارات، وسلاسل الإمداد لا تنتظر التسويات اليمنية. عندما تصبح كلفة عبور السفينة مرتبطة بقرار جماعة مسلحة، تتحول تلك الجماعة تلقائياً من مشكلة محلية إلى معضلة دولية.
الحرب الجوية تستطيع تدمير مستودع أو منصة إطلاق، لكنها لا تستطيع الإمساك بالساحل ولا الوقوف على جزيرة. الأرض تحتاج إلى رجال يقفون عليها، وهذه هي قسوة الخطأ السياسي، وهي أنه عندما تُزال معادلة أمنية يجب أن توجد معادلة أفضل لتحل محلها، أما هدم المعادلة ثم البحث عن البديل، فذلك مقامرة بالجغرافيا. خروج الإمارات لم يلغ الحاجة إلى القوة التي كانت تضبط المساحات التي خرجت منها، ترك فراغاً، والحوثيون كانوا الأكثر استعداداً لملئه.
ولهذا فإن الطريق إلى باب المندب لم يبدأ عند البحر، وإنما في حضرموت. هناك وقع الزلزال في يناير 2026، وهناك تحركت الصفائح السياسية والعسكرية تحت أقدام الجميع. احتاجت الموجة أشهراً حتى وصلت إلى المضيق، وعندما وصلت لم تسقط جغرافيا فقط، وإنما أسقطت وهماً بأن الفراغ يمكن إدارته من بعيد. السياسة الخارجية لا تُحاسب على النوايا وإنما على النتائج، والنتيجة اليوم مكتوبة على الخريطة.
غير أن الخريطة نفسها تقول شيئاً آخر، وهي أن الحرب وصلت إلى النقطة التي يجب أن تستعيد فيها السياسة وظيفتها. وبعد أكثر من عقد من الدم يصبح من المشروع التفكير في نموذج سياسي قريب، وظيفياً لا تاريخياً، من النموذج الذي أنهى الحرب الكورية. فالحرب الكورية لم تنته بابتلاع طرف للآخر، وإنما بهدنة كرست واقع دولتين ونظامين مختلفين، مع بقاء الردع مانعاً لانفجار الحرب الشاملة من جديد.
اليمن يقترب من حقيقة مشابهة وإن اختلف التاريخ والجغرافيا. هناك شمال تشكلت فيه سلطة حوثية وإخوانية لها نظامها وأيديولوجيتها وقوتها العسكرية، وهناك جنوب عربي يحمل قضية سياسية وهوية ومشروع دولة مختلفاً. وربما تكمن الواقعية في التوقف عن محاولة إعادة تركيب ما انهارت صيغته، والانتقال إلى صناعة سلام بين واقعين سياسيين: شمالي يتحمل مسؤولية خياراته ومستقبله، وجنوبي يستعيد حقه في تقرير مستقبله وبناء دولته.
لكن النموذج الكوري المفترض في اليمن يحمل شرطاً جوهرياً، فلا يمكن لـ”كوريا شمالية” يمنية أن تبقى قوة مارقة مسلحة بالصواريخ والمسيّرات وتمسك في الوقت نفسه بباب المندب. أي تسوية سياسية قابلة للحياة تحتاج إلى ضمان أمن المضيق، وحرية الملاحة، ومنع تحويل الساحل إلى منصة ابتزاز للعالم. الفصل السياسي بين الشمال والجنوب لا يعني منح أي طرف رخصة لتهديد البحر.
وهنا يعود الجنوب العربي إلى قلب المعادلة. أمن عدن يبدأ من البحر، وأمن البحر يبدأ من باب المندب. ليست تلك رغبة في توسيع الجغرافيا، وإنما اعتراف بما تفرضه الجغرافيا نفسها. وما حدث يقدم درساً بالغ القسوة، وهو أن كسر التوازن في نقطة واحدة يجعل المنظومة كلها تتداعى قطعة بعد أخرى.
الحل إذاً ليس إعادة إنتاج السياسات التي أوصلت المنطقة إلى هذه اللحظة، وإنما الاعتراف بالواقع الذي صنعته الحرب: فصل الساحات، بناء ردع جديد، وإطلاق مسار سياسي يعترف بأن الشمال والجنوب أصبحا مشروعين مختلفين، وأن السلام لا يشترط إجبارهما مرة أخرى على العيش داخل دولة واحدة.
بدأ زلزال حضرموت في اليابسة ووصلت ارتداداته إلى باب المندب. خرجت الإمارات، اتسع الفراغ، وتقدم الحوثيون. لكن التاريخ لا يتوقف عند صورة المنتصر وهو يرفع رايته، وإنما يبدأ سؤاله الحقيقي في اليوم التالي.
وفي اليوم التالي قد يكتشف الحوثيون أن السيطرة على صنعاء تمنحهم أمراً واقعاً يمكن التفاوض حوله، أما السيطرة على باب المندب فتضعهم أمام العالم. وربما عندما وصلوا إلى أبعد نقطة في الجغرافيا وصلوا أيضاً إلى أخطر نقطة في مشروعهم. فالجبال تستطيع إخفاء البنادق طويلاً، أما المضائق فلا تخفي أحداً.
نقلًا عن صحيفة العرب الدولية