في أحد أيام عام 2012، اتصل بي الشيخ/ هاشم بن عبدالله الأحمر، مقترحا أن نلتقي بجانب اللجنة الدائمة، لنقيل في بيتٍ آمن، بعيدَا عن كل ما كان يجري في تلك الفترة، من صارع مسلح في العاصمة صنعاء.
وصلت إلى العنوان المُتفق عليه، فوجدت أمامي قصرًا لا منزلًا؛ قصرًا فارهًا يحتضن في فنائه سيارات فاخرة، لا أعرف أسماءها، لكن مظهرها يدلل أنها باهظة الثمن، لا يمتلكها إلا كِبار القوم.
فتح لي الباب شاب في منتصف العشرينات؛ وسيم، أنيق، خفيف الظل، مبتسم. كان ثالثنا في ذلك المقيل، لكنه بدا كأنه ينتمي لعالم آخر. عالم لا يشبه اليمن ولا صراعاته، عالم لا يعرف القسوة ولا الضجيج.
لم يكن يتحدث إلا حين يُسأل، ولا يتحرك إلا ليقدّم لنا خدمة. حتى عندما دلّني على دورة المياه، ظل واقفًا عند الباب ينتظر خروجي، وكأن اللياقة والأدب جزء من تكوينه الطبيعي.
أذهلني تعامله الراقي.
لم أعتد هذا النوع من السلوك الرفيع في بيئة امتلأت بمشاكل القبائل والمنافسات والانتخابات والصخب، والنزاعات في تلك الفترة القاتمة من تاريخ اليمن.
كان شابًا من طراز نادر؛ تشعر أن الهواء قد يؤذيه من فرط نعومته ورقّته وحُسن خُلقه.
أخبرني الشيخ هاشم أن هذا الشاب، (ع)، يدير شركتهم الخاصة، ويرأس مصنعًا كبيرًا للأدوية. يمتلك كل ما يحلم به شاب يمني أو حتى عربي، وما لا يجرؤ كثيرون على الحلم به؛ ثروة، تعليم راقٍ، مكانة اجتماعية، وزواج حديث من فتاة هاشمية، من أسرة ثرية، وذو مكانة اجتماعية مرموقة، ووالدتها أستاذة جامعية، ووزيرة سابقة.
كان والد الشاب الأنيق (ع) رجل أعمال كبير، ورفيق وشريك الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر في بعض تجاربته، وقد رحل قبل سنوات، وقد بنى ثروته بعد ثورة 1962 في ظل الجمهورية وتحت رعاية وعدالة قوانينها ومواطنتها المتساوية.
ترك ورائه إمبراطورية مالية ضخمة، وكان (ع) أحد أبنائه، ويدير جزءًا مهمًا منها.
جاء سبتمبر 2014، فحضرت المجاعة والحروب والتشرد ومعتوه صعدة، وحمود عباد.
سقطت صنعاء في يد العصابة الزيدية، وتشرد نصف اليمنيين، وتم نهب وسجن نصفهم الآخر. كنتُ واحدًا من النصفين.
غادرت صنعاء في بداية 2015، وتركت خلفي ذكريات ثقيلة، ووجوهًا لم أعرف مصيرها.
كان الشاب الأنيق (ع) أحد تلك الوجوه التي ظلت عالقة في ذهني، يقلقني مصيرها.
كنت أتساءل: ماذا سيحدث لشاب بتلك النعومة والأدب والاستقامة، في زمن تحكمه البنادق والزوامل!
دعوت له ولأهلي، ومضيت ببقايا جسدي وأطفالي وبعض ذكرياتي إلى المملكة المتحدة.
في لندن، يوم 18 يونيو 2015، وبينما أتابع آخر أخبار مسيرة الإجرام الرسية ضد اليمنيين، لفت نظري عنوان في أحد المواقع الإخبارية:
(مقتل رجل أعمال وقيادي حوثي كبير في عملية نوعية للمقاومة)
فتحت الخبر…
وعندما رأيت صور القيادي الصريع، شعرت بصفعة قوية على وجهي.
ذلك القيادي هو نفسه ذلك الشاب الأنيق؛ الذي كان يخشى أن تقف بعوضة على يده، والذي كنت أجزم أنه لم يدهس حتى نمله في حياته، وهو من كنت أتلهف لمعرفة مصيره.
ظهرت صوره بملامح قاسية، ونظرات حاقدة، بوجه عابس يحمل قسوة المجرمين لا نعومة الأثرياء.
يا للهول!!!
كيف تحوّل ذلك الشاب الذي يشبه الوردة البيضاء إلى ذئب أجرب مفترس؟
كيف استطاع أن يخفي كل ذلك الحقد داخل جسده ؟
كيف لم يفتك به التطرف الذي كان يسكن داخله؟
لقد ذهب شابنا الأنيق (ع)، لكنه ذهب بملامح شخص ينتمي إلى عصابة الأدغال.. ذهب بعد أن روّى أرض صنعاء وعدن وأبين بدماء ضحايا كُثر.
ذهب هو الآخر كضحية، كما ذهب أولئك الذين طالتهم نيران بندقيته.
ماذا حدث، وماهو المحرك الذي دفع بشاب أنيق ثري، ليقنعه بترك صنعاء ونعيمها، وجنته التي يرفل في ظلالها، ليذهب إلى عدن وأبين، ليفتك بمواطنيين أبرياء عُزل، ويصرخ بصرختهم الزيدية المتطرفة، من على أجسادهم الهزيلة.
لم يكن عامر سوى نتاج مشروع زيدي متطرف خفي، ظل يشحن الشباب الهاشميين لعقود طويلة بكل أصناف التطرف والكراهية، ويهمس في آذانهم أنهم من سلالة مقدسة، وأن اليمن لهم، والحكم لهم، والمنصب والراتب حق لهم، وأن اليمنيين مجرد رعية خُلقوا لخدمتهم.
مشروع عنصري حوّل الورود إلى قنابل، والنعومة إلى شراسة، والثراء إلى أدوات حرب وفتك.
يا أهلنا في اليمن، ويا قيادتنا السياسية:
الزيدية ليست مذهبًا دينيًا؛ إنها الخطر الأكبر على اليمن واليمنيين.
هي النار التي توقد تحت اليمن، والفرن الذي يحوّل النسب الهاشمي إلى خناجر مسمومة، هي المطارق التي تُشكل مجاميع كبيرة من شباب أبرياء أصحاء إلى ذئاب بشرية؛ تفتك بالناس دون رحمة.
تخيلوا عامر، الشاب الأنيق:
شاب ترعرع في أسرة ثرية، درس في أرقى الجامعات الأجنبية، عاش حياة لا يحلم بها حتى أبناء الرئيس الراحل صالح، ومع ذلك، تحوّل في ليلة واحدة إلى ضبع أسود لا يعرف الرحمة.
مشكلة اليمنيين ليست مع الهاشميين كنسب وكيمنيين لهم مالنا وعليهم ما علينا، مشكلتنا مع إرث الزيدية الأسود، الذي ظل ينتج الأحقاد والحروب منذ أن تسلل الرسي إلى صعدة قبل أكثر من ألف ومائتي عام، متخفيًا تحت يافطة أنيقة اسمها الهادي إلى الحق!!
رحم الله عامر بن عبدالوهاب الشهاري.
فقد كان ضحية لعنصرية وتطرف زيدي؛ ظل يتدفق تحت أقدام اليمنيين بصمت مخيف، حتى تمكن من تحويل الورود إلى ألغام.
بعد انقشاع غمة النسخة الأخيرة من الرسية الزيدية، يجب أن نتفرغ لتصحيح ما علق في ثقافة اليمنيين من مرويات زيدية هدامة، وما تبعها من طلاسم وخرافات وقداسات لأئمة مجرمين، ولرموز سلالية؛ ظلت تحافظ على بقائهم في ثقافة اليمنيين ومناسباتهم الاجتماعية.
يجب على اليمنيين المسارعة بتفكيك سرديات دخيلة على الإسلام عامة وثقافة اليمنيين خاصة.
يجب أن نعمل ليل نهار، حتى نضمن ألا تنمو سلالات زيدية متحورة جديدة، لنحمي اليمنيين، ونحمي الهاشميين أنفسهم.
رحم الله الدكتور/ عامر بن عبدالوهاب الشهاري
ورحم الله ضحاياه من اليمنيين، الذي سقطوا بتطرفه؛ الذي رضعه من فقاسة الزيدية المتطرفة.
ونسأل الله القصاص ممن لغم عقل عامر، والألوف من أمثاله.
عبدالوهاب طواف