آخر تحديث :الجمعة-04 سبتمبر 2026-08:26م

ساعة الصفر…

الجمعة - 04 سبتمبر 2026 - الساعة 07:18 م

د. أحمد عبداللآه
بقلم: د. أحمد عبداللآه
- ارشيف الكاتب


ساعة الصفر مصطلح عرفه العالم منذ الحروب الكبرى، وهي في أبسط معانيها اللحظة التي يبدأ عندها الفعل. إلا أن لها في قاموس الشرعية تعريفاً أكثر مرونة، فهي ساعة يمكن الإعلان عنها مراراً من دون أن تتحرك عقاربها.


منذ أشهر ونحن نسمع عن اقتراب "ساعة الصفر" وعن انطلاقة جديدة لن تتوقف إلا في صنعاء. ومن يعرف تفاصيل هذه الحرب، منذ صيحة "نحن هنا أين أنتم" وصولاً إلى ساعة الصفر الجديدة، يدرك أن أحد عشر عاماً لم تغير كثيراً في طبيعة الخطاب، ولا في مقدار الاستخفاف بذاكرة الناس.


والأغرب أن قناتي العربية والحدث، ومعهما طابور المحللين من الرياض والقاهرة، ما تزالان عالقتين في الذهنية نفسها، تفاصيل مكررة، وخرائط تتحرك على الشاشات أكثر مما تتقدم القوات على الأرض، وتحليلات توحي أحياناً بأن تحرير صنعاء لا يفصله عن "الخبر العاجل" من الاستوديو سوى فاصل إعلاني.


لكن المشكلة أن البلد لا يتحرك في فراغ، ولا يمكن فهم ما يجري فيه من خلال نشرات "ساعة الصفر" وحدها. فالحقيقة الأوسع أن المنطقة كلها تعيش على إيقاع حربي يرتفع وينخفض وفقاً لعصي مايستروهات الخارج وحسابات اللاعبين الكبار، فيما تتحول دماء الشعوب المقهورة إلى أوراق في بورصة سياسية تديرها دول الوصاية، تستثمر في صراعاتها ونفوذها أكثر مما تستثمر في مستقبل هذه الشعوب الضحية.


أمريكا تقصف و تحاصر إيران، وإيران تضغط عبر هرمز وأوراق نفوذها الإقليمية وتقصف دول الجوار، وإسرائيل تقتطع أجزاء من غزة وجنوب لبنان وسوريا، وفي الجهة الأخرى تنشغل بعض دول الإقليم بحياكة تحالفات جديدة، كأن المنطقة شركة متعثرة تبحث عن اندماج ينقذ ما تبقى من أصولها. إلا أن هذه التحالفات الجديدة تنتهي فاعليتها كالعادة عند الخط الذي تبدأ عنده مصالح القوى الكبرى. لكن الفاتورة الحقيقية تبقى ثابتة، أراض عربية تضيع، ودماء تُراق، وشعوب تدفع الحساب كاملاً من دون أن يكون لها رأي في اختيار معركتها و مصيرها.


ومن هنا يصبح فهم الوضع أكثر منطقية. فما يتحرك في الجبهات مع أنصار الله ليس بالضرورة قراراً محلياً خالصاً، وإنما حلقة ضمن شبكة أوسع من الضغط والردع والمساومة وتبادل الرسائل الإقليمية والدولية. ولهذا فإن ارتفاع نبرة الحرب لا يعني بالضرورة أن ساعة صفر الشرعية قد دقت، وانما قد يعني أن عقارب الساعة الإقليمية نفسها تتحرك. وعندما تهدأ تلك العقارب، نكتشف، كالعادة، أن ساعة الصفر المحلية كانت تعمل بتوقيت عاصمة أخرى.


لهذا فإنها ليست سوى تنويع على منتج دعائي لرفع أسهم قيادات تعيش رفاهية الضيافات اللانهائية، وفقرة مثيرة في إعلام الشتات. فالأرض وحدها تعرف وجوه المقاتلين، وتعرف الحقيقة أيضاً، أن الشرعية ما تزال أسيرة الحكاية القديمة نفسها، "نحن هنا أين أنتم" العبارة التي اختزلت مفارقة مرحلة كاملة، إعلام كثير وضجيج أكبر وحضور على الأرض أقل. أما الواقع البائس، فلم يعد ينتظر "ساعة صفر" واحدة، وإنما يبحث عن ساعات صفر متعددة للخلاص من كوابيس هذا الزمن الرديء.

أحمـــــــــــدع