نادراً ما أضيّع وقتي في الحديث عن تفاصيل الأزمات اليومية التي تلاحقنا؛ من انقطاع الغاز، وانعدام الوقود، وغلاء المعيشة، ووحش الإيجارات، وتأخر الرواتب.. ربما كتبتُ سابقاً عن سقوط العملة وارتفاع الأسعار لأن ناره أحرقت حتى المغتربين في الخارج.
لكن سكوتي عن وجع الشارع اليومي ليس تجاهلا، بل لأنني أدرك الحقيقة المرة: هذا البلد وُضع له سيناريو محكم ليبقى في هذه الغيبوبة؛ لا هو حيّ فيتعافى، ولا هو ميت فيُدفن ونرتاح. انظروا حولكم بلا غباء: تنتهي أزمة غاز اليوم، لتشتعل أزمة كهرباء غداً، وهكذا في حلقة استنزاف قذرة لا تنتهي منذ 2011.
والأمانة تفرض عليّ أن أقول كلاماً يدركه أصحاب العقول الحقيقية فقط، حتى لو كان صادماً ويجرح مشاعر القطيع:
السبب في خراب هذا البلد وانهياره سياسياً واقتصادياً ليس الشرعية، ولا الانتقالي، ولا الحوثي، ولا حتى السعودية والتحالف! المشكلة أكبر وأخطر بكثير من هذه الأسماء. ستظلون تشتمون بعضكم وتتراشقون بالتهم في الفيس وتويتر دون أن تصلوا لأي نتيجة. إنها حرب بلا أفق، تديرها أوهام، واقتصاد منخور وفاسد لو سُكب عليه نفط العالم وكنوز الأرض كلها لن يقوم له عمود!
كل هؤلاء الذين يملؤون الشاشات ليسوا أكثر من بيادق وأدوات صغيرة تنفذ أدواراً مرسومة بدقة من قوى أكبر وأعلى منهم جميعاً. ما نراه اليوم هو السقف المحدد لهم: صراعات هابطة ومقرفة، يتصدرها أسوأ ما في المجتمع ليستهلكوا طاقتكم وينهبوا أرواحكم، صراع قروي ومناطقي مقيت يتقاتل فيه الصغار باسم عدن، وحضرموت، ويافع، والضالع، وصنعاء!
أفيقوا من أوهامكم الساذجة: لن ينصلح حالكم إذا تغيّر مجلس القيادة أو استُبدل رئيس الوزراء، ولن نعيش في نعيم لو سقطت صنعاء، ولن نقطف العنب والتفاح من الشوارع لو انتهى دور التحالف وغادرت المملكة.. كلها خرافات تبيعونها لبعضكم.
القرار والخيوط ليست بيد أي طرف ترونه في الواجهة. إن كنتم تشككون في ذلك، فراجعوا تاريخكم منذ 2011: تعاقبت الحكومات، وتبدلت التشكيلات، وسقطت مدن وصعدت أخرى مئة مرة، فماذا تغير؟ لا شيء! لأن الأزمة منذ 2014 تحديداً صُممت وهُندست لتكون مستحيلة الحل بواسطة هذه الأدوات الرخيصة الموجودة في المشهد.
أما إن كنتم مصرين على الاستمرار في الثرثرة اليومية عن الغاز، والكهرباء، والرواتب، والبطولات الوهمية، وإحصاء جثث ضحاياكم كأنكم تشاهدون مباراة.. فتفضلوا، الطريق مفتوح أمامكم لتخوضوا مع الخائضين وتغرقوا في وهمكم إلى ما لا نهاية.