قال عبدالملك بن مروان : إذا لم تعدلها بالسيف فاعدلها بالمال.
هذه عبارة لا تصدر إلا من راس ملك عظيم.
جاء عبدالملك بن مروان الى الحكم وثلثي خارطة الدولة العربية تحت حكم عبدالله ابن الزبير : الجزيرة العربية بالكامل والعراق ومعظم اليمن واجزاء من الشام.
ابن الزبير بمقياس رجال الدين افضل منه لكن كان بخيلاً ولذلك تغلّب عليه ابن مروان لأنه ابلغ منه كرماً ودهاء وانسب لدنيا الناس ومصالحهم.
ماذا تعمل الشعوب الجائعة بملكٍ يكدس الاموال ويخزنها.
كانت مدافن مكة ممتلئة بالحبوب لكن كان الناس يتساقطون جوعاً في الطرقات وابن الزبير يعتقد انه الحرص بينما هو واقع في براثن البخل الذي يقوض بنيان الملك من جذوره.
انتصرت جيوش ابن مروان على ابن الزبير وهو المقاتل الذي لا يغلب وفتحت المدافن للناس ثم فتحت الاقطار بعد ذلك وطارت شهرت عبدالملك ابن مروان الافاق واولاده من بعده.
انتهى عهد ابن الزبير الذي حكم قبلهم سنيناً حيث لم يترك اثراً دنيوياً يحفظه الناس.
كان الامام يحيى عالماً لكن بخيلاً يكدس الحبوب والذهب والسلاح وشعبه بائساً جائعاً ثم خسر كل شيء.
قيل لعمر بن الخطاب وهو ينزف دماً من طعنة ابولؤلؤة: اوصي بها الزبير بن العوام يا امير المؤمنين فقال عمر : اما هذا ففارس عظيم إلا أنه يطالب اهل البقيع بالمُد ( في معنى كلامه).
كان للزبير ( الاب) مالاً لدى شركاء في المدينة وكان يقاسمهم نهاية الموسم بشكل صارم ويحاسبهم على المُد.. وهذه صفة خطيرة لا تؤهله للملك وللزعامة ( البخل).
لقد كان عمر عبقرياً. حيث ان الناس ينبذون الملك الذي يتتبع التفاصيل الصغيرة ( الشخصية) ويحاسبهم على القطمير.
العرب يعظمون الكريم ويغفرون له إذا اخطأ. وكان الشعراء ينطقون حكمة إذ يمتدحون الملك او القائد السخي.
ولا تتداول العرب هذا البيت للمتنبي من فراغ:
تستر بالسخاء فكل عيبٍ يغطيه كما قيل السخاء.
كان النبي محمد قائداً عظيما لا يسوق الغنائم الى بيته وإنما ينفقها على رجاله ويكرم الواصلين الجدد الى معسكره بسخاء.. وقد اشاد مونتسكيو بهذه السجية في سياق مقارنته بين ملكين من ملوك الرومان : أحدهما يوزع العطايا بين رجاله عقب كل معركة من اجل المجد فدانت له الامور وتخلد ذكره والاخر بخيلاً يكدس الاموال فخسر الملك والسمعة معاً.
هرع عقيل ابن ابي طالب من مكة الى الكوفة في خلافة علي يستنجد بأخيه الاصغر الذي صار خليفة اليوم ان ينقذه من ديون غرق بها. ولم يظفر سوى بثوب اشتراه له الحسن من السوق ولم يستطع الخليفة ان يعطيه شيئاً من اموال المسلمين. فغادر غاضباً ــ كما تقول السير ــ قال : سأذهب الى من هو اكرم منك. وقصد الشام.
استقبله معاوية ببراعة لانه كبير بني هاشم. و خاطبه هكذا : مرحبا بكبير بني عبدمناف ( اي كبير بني هاشم وبني امية)
ففطن لذلك عقيل واخبره انه لم يأت لهذا وإنما " ركبني دين ثقيل يا معاوية" فقال له على الفور : لك مائة الف تقضي بها دينك ومائة الف تسد بها حاجتك ومائة الف تستعين بها على نوائب الدهر. فانذهل .
وقيل ايضا ان القصر الاموي في دمشق رتب مأدبة غداء على شرف عقيل حضرها كبار الاعيان و أمر من يسأل عقيلاً : أيهما ألذ المائدة عند علي ام عند معاوية.
فرد عقيل ببراعة وأجاب بهذه العبارة : المائدة عند معاوية ادسم لكن الصلاة بعد علي أبرك.
وصارت العرب تتناقل عبارة عقيل وتتفكه بها الى اليوم.
واعتقد ان الكرم اثقل ترجيحاً في ميزان الملك من سواها.
ولا زلت اتأمل كيف ان معاوية خطب في اهل المدينة بعد ان دانت له الامور في معنى كلامه : انا لست بخيركم ولكن والله: خيرٌ لدنياكم !
الشعب اليمني جائع ولا كريم إلا الله