آخر تحديث :الأربعاء-19 أغسطس 2026-12:50ص

تعز والساحل الغربي .. جريمة حرب بضمير عالمي غائب.. لماذا يقاتلان وحدهما بينما تتوقف الجبهات؟

الأربعاء - 19 أغسطس 2026 - الساعة 12:49 ص

أ.د.عبدالوهاب العوج
بقلم: أ.د.عبدالوهاب العوج
- ارشيف الكاتب


في الوقت الذي تتصاعد فيه المواجهات في اليمن على عدد من الجبهات، تبرز تعز والساحل الغربي بوصفهما من أكثر الجبهات تعرضاً للاستهداف الحوثي المباشر والمتكرر، ويبقى السؤال الأكثر إيلاماً معلقاً في الهواء: لماذا تُترك تعز والساحل الغربي ليقاتلا وحدهما؟

ما يحدث اليوم من استهداف ممنهج لمدينة تعز والساحل الغربي، ومدينة المخا ومينائها الاستراتيجي، من قبل المليشيات الحوثية، ليس مجرد هجمات عابرة أو عمليات عسكرية محدودة، بل يمثل تصعيداً ذا أبعاد عسكرية واستراتيجية وسياسية، يستهدف عقداً جغرافية بالغة الأهمية تشرف على البحر الأحمر وباب المندب، في توقيت بالغ الحساسية يتزامن مع تحولات جيوسياسية كبرى في المنطقة.

إن التركيز الحوثي على تعز والساحل الغربي لا يبدو منفصلاً عن الموقع الاستراتيجي لهذه المنطقة، ولا عن ارتباطها المباشر بأمن الملاحة الدولية والبحر الأحمر ومضيق باب المندب، ولذلك فإن المعركة هنا لا تتعلق فقط بالسيطرة على مدينة أو جبهة عسكرية، وإنما تتصل بمستقبل التوازنات العسكرية والسياسية والاقتصادية في اليمن والمنطقة.

لكن التساؤل الذي يفرض نفسه بقوة هو: ماذا عن الحكومة الشرعية ووزارة الدفاع ومجلس الدفاع الوطني الأعلى؟ ولماذا تتوقف بقية الجبهات الا من استخدام الطيران المسير بشكل محدود في بعض الجبهات، بينما تتصدى تعز والساحل الغربي وحدهما لآلة الحرب الحوثية المتكررة؟


أولاً: الأهمية الاستراتيجية للساحل الغربي وتعز في المعادلة الجيوسياسية

لا يمكن قراءة التصعيد الحوثي على جبهتي تعز والساحل الغربي بمعزل عن الأهمية الجيوسياسية الفائقة لهذه المنطقة، فالساحل الغربي، وبالتحديد مدينة المخا وميناؤها، يشكلان بوابة اليمن على البحر الأحمر، ويقعان بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق باب المندب.

وتكتسب تعز أهمية إضافية باعتبارها العمق الجغرافي والبشري والاستراتيجي للساحل الغربي، فضلاً عن موقعها الذي يربط بين المرتفعات اليمنية والساحل، ويجعل السيطرة عليها أو الضغط عليها مؤثراً بصورة مباشرة في حركة القوات والطرق والموانئ والممرات الاستراتيجية.

وبحلول منتصف عام 2026، تجاوزت أزمة البحر الأحمر كونها مجرد اضطراب عابر، لتتحول إلى أزمة هيكلية أعادت صياغة جزء مهم من هندسة الملاحة الدولية. فقد وثقت المؤشرات الاقتصادية انكماشاً مستداماً في حركة المرور عبر مضيق باب المندب وقناة السويس بنسبة تراوحت بين 55% و60% مقارنة بمعدلات ما قبل أكتوبر 2023. هذا الاضطراب دفع أكثر من 4000 سفينة حاويات سنوياً إلى تغيير مسارها نحو طريق رأس الرجاء الصالح، مما أضاف عبئاً زمنياً يتراوح بين 10 و14 يوماً للرحلة الواحدة، ورفع مؤشرات الشحن العالمية بنسبة 180% فوق متوسطاتها التاريخية.

وبالتالي، لم تعد جغرافية الساحل الغربي قضية يمنية داخلية فقط، بل أصبحت جزءاً من معادلة أمن الطاقة والتجارة والملاحة الدولية.

في هذا السياق، يدرك الحوثيون أن السيطرة على الساحل الغربي، أو حتى امتلاك القدرة على تهديده، تمنحهم ورقة ضغط هائلة. فهم لم يعودوا مجرد جماعة محلية، بل قوة بحرية غير نظامية ذات نمط هجين، قادرة على توظيف الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية في تهديد الملاحة والمصالح الإقليمية والدولية، بفضل الاستثمار الإيراني الممنهج ضمن استراتيجية "وحدة الساحات" أو ما يمكن وصفه بمفهوم "الدفاع الأمامي".

وهذا ما يفسر لماذا يركز الحوثيون جهودهم على هذه الجبهة بالتحديد، محاولين فرض أمر واقع جديد يكرس نفوذهم على منطقة تقع عند واحدة من أكثر النقاط حساسية في منظومة الأمن البحري العالمي.

إن السيطرة على المخا والساحل الغربي لا تعني، من منظور الحوثيين، مجرد مكسب عسكري محلي، وإنما يمكن أن تتحول إلى ورقة سياسية واقتصادية وعسكرية في مواجهة الحكومة اليمنية ودول المنطقة والمجتمع الدولي.


ثانياً: مجلس الدفاع الوطني بين القرارات والواقع الميداني

في مواجهة هذا التصعيد الخطير، انعقد مجلس الدفاع الوطني برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، وأصدر قرارات مهمة أكدت على:

· رفع الجاهزية العسكرية والأمنية إلى أعلى مستوياتها.

· توسيع عمليات الردع الجوي والصاروخي ضد مصادر التهديد الحوثية.

· الإشادة بأداء القوات المسلحة في مختلف الجبهات، وفي مقدمتها جبهات مأرب والساحل الغربي.

· استمرار انعقاد المجلس بشكل دائم للاستجابة العاجلة للتطورات الميدانية.

لكن السؤال الجوهري الذي يطرحه المراقبون والمحللون، وفي مقدمتهم الكاتب، هو: هل تكفي هذه القرارات لترجمتها إلى أفعال على الأرض تُحدث تغييراً حقيقياً في واقع الميدان؟ أم أنها تبقى حبيسة جدران الاجتماعات والبيانات الرسمية؟

المشكلة ليست في غياب القرارات، وإنما في الفجوة بين القرار والتنفيذ، وبين إعلان الجاهزية وتحويلها إلى قدرة عسكرية فعلية على الأرض.

يشير المحللون إلى وجود فجوة واضحة بين التوجيهات الرسمية والتنفيذ الفعلي. فبينما تُصدر القيادة بيانات تدعو إلى الردع والتوسع العسكري ورفع الجاهزية، تبدو الحكومة اليمنية، بحسب مراقبين، مترددة في الدخول في حرب شاملة، وتسعى دوماً إلى التهدئة، مع إعلانات رسمية عن رفع الجاهزية، ولكن دون رغبة واضحة في خوض المعركة في هذا التوقيت.

هذا التردد يترك جبهتي تعز والساحل الغربي في موقع الدفاع والصد المكثف، دون دعم كافٍ من الجبهات الأخرى، مما يعزز الشعور بأنهما تقاتلان وحدهما في مواجهة آلة حوثية مدعومة إيرانياً.

والأخطر من ذلك أن استمرار هذا الوضع قد يحول التفوق الدفاعي المؤقت إلى استنزاف طويل المدى، بحيث تتحمل تعز والساحل الغربي وحدهما تكلفة المعركة البشرية والعسكرية والاقتصادية، بينما تبقى بقية الجبهات في حالة انتظار.


ثالثاً: التحليل العسكري – لماذا تبقى الجبهات الأخرى متوقفة؟

الإجابة عن هذا السؤال تتطلب فهماً أعمق للاستراتيجية العسكرية والأهداف الكبرى للحرب في اليمن، والتي لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي المتوتر، خاصة التوتر بين أمريكا وإيران.


أولاً: استراتيجية إشغال الحوثيين في الداخل

يرى الخبراء العسكريون أن هناك اتجاهاً لإشغال الحوثيين في الداخل، وربما بهدف الوصول إلى صنعاء في مرحلة لاحقة، لكن ذلك يتطلب حشد قوات كبيرة، ودعماً جوياً، وقدرات متقدمة في القيادة والسيطرة، وهي عناصر ليست متوفرة بالكامل حالياً.

فأي عملية عسكرية واسعة لا يمكن أن تقوم على الاندفاع وحده، وإنما تحتاج إلى تنسيق بين القوات، وإمدادات لوجستية مستمرة، وغطاء جوي واستخباراتي، وخطة واضحة لإدارة المناطق التي يمكن تحريرها.

وتشير المؤشرات الحالية، بما فيها الحشد والإعداد اللوجستي، إلى أن هناك شيئاً ما يجري الإعداد له لمرحلة قادمة، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة التنفيذ.

ومن هنا يمكن تفسير حالة الترقب التي تشهدها بعض الجبهات، باعتبارها جزءاً من حسابات عسكرية أوسع، وليس بالضرورة دليلاً على غياب القدرة أو الرغبة في القتال.

لكن هذا التفسير، مهما كانت وجاهته، لا يلغي السؤال الأساسي: لماذا تتحمل تعز والساحل الغربي وحدهما ضغط التصعيد الحوثي في الوقت الراهن؟


ثانياً: إعادة ترتيب الأولويات الإقليمية

تشير التحولات الجيوسياسية في المنطقة، وتحديداً التوتر في مضيق هرمز والمواجهة العسكرية بين أمريكا وإيران، إلى أن هناك حسابات إقليمية أوسع تؤثر في مسار الحرب في اليمن.

فالحرب اليمنية لم تعد منفصلة عن التوازنات الإقليمية. وقد أعطت التطورات الأخيرة مؤشرات أساسية بدأت باستهداف مطار صنعاء، ثم الرد الحوثي على مطار أبها ومصفاة جيزان في السعودية، بما يشير إلى أن الحرب اليمنية أصبحت جزءاً من صراع إقليمي أكبر.

وفي مثل هذه الظروف، تصبح الجبهة اليمنية جزءاً من منظومة أوسع لتبادل الرسائل والضغط، وهو ما يفسر استخدام الحوثيين للقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة والتهديدات البحرية كأدوات تتجاوز أهدافها العسكرية المباشرة.


ثالثاً: ميزان القوى الجديد

يختلف ميزان القوى اليوم بشكل كبير عما كان عليه في مراحل سابقة.

فالحوثيون يتفوقون في الطيران المسيّر والصواريخ الباليستية، وهي من أبرز أدوات الحرب الحديثة، بينما تتفوق القوات الحكومية والقوات المساندة لها في الجانب البري، إضافة إلى قدرات التحالف بقيادة السعودية في الطيران الحربي.

وهذا التوزيع الجديد للقوى يجعل أي تحرك عسكري كبير محفوفاً بالمخاطر، خاصة مع قدرة الحوثيين، بأقل تكلفة نسبياً، على تعطيل الملاحة في البحر الأحمر وتهديد المصالح الدولية.

وهنا تكمن المفارقة: قد لا يحتاج الحوثيون إلى السيطرة الكاملة على الساحل الغربي حتى يحققوا هدفهم الاستراتيجي؛ يكفي أن يمتلكوا القدرة على تهديده وتهديد الملاحة القريبة منه.

ولهذا فإن الدفاع عن الساحل الغربي وتعز لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره دفاعاً عن خطوط تماس محلية فقط، بل باعتباره دفاعاً عن إحدى أهم نقاط الارتكاز الجيوسياسية في اليمن.


رابعاً: الجريمة المزدوجة – استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية

ما يزيد المأساة في تعز والساحل الغربي هو أن الاستهداف الحوثي لا يقتصر على المواقع العسكرية، بل يتعمد استهداف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

فقد أسفرت الهجمات الأخيرة عن سقوط شهداء وجرحى بين المدنيين، بما في ذلك النساء والأطفال، واستهداف منازل المواطنين ومخيمات النازحين.

وهنا تتجاوز القضية حدود الصراع العسكري المباشر، لتصبح قضية إنسانية وقانونية وأخلاقية.

إن استهداف المدنيين والأعيان المدنية، متى ثبتت عناصره ووقائعه وفق التحقيقات المختصة، يمثل انتهاكاً خطيراً لقواعد القانون الدولي الإنساني، ويستوجب التحقيق والمساءلة والملاحقة القانونية.

وقد أكد مجلس الدفاع الوطني ضرورة حماية المدنيين والمنشآت الحيوية، ورفع مستوى الإنذار المبكر، لكن الواقع الميداني يشير إلى أن هذه التوجيهات لم تُترجم بعد إلى حماية فعلية وكافية.

إن المدني في تعز والساحل الغربي لا ينبغي أن يتحول إلى ضحية لصراع أكبر من قدرته على الاحتمال، كما لا يجوز أن تصبح المدن والموانئ والمنشآت المدنية أهدافاً سهلة في حرب مفتوحة بلا أفق.


خامساً: غياب الردع الإقليمي والدولي

في ظل تعقيد المشهد الجيوسياسي، يبرز تساؤل آخر: أين المجتمع الدولي من هذه الجرائم؟

ورغم إشادة مجلس الدفاع الوطني بالدور السعودي في دعم اليمن وتعزيز أمن المنطقة، فإن التصعيد الحوثي مستمر دون رادع فعّال.

إن غياب الردع لا يعني بالضرورة غياب البيانات والمواقف الدولية، وإنما يعني غياب التأثير الحقيقي الذي يمنع تكرار الهجمات ويغير حسابات الطرف المعتدي.

وقد نجح الحوثيون في توظيف الورقة البحرية كورقة ضغط، محولين مضيق باب المندب من ممر مائي إلى مسرح لتصفية الحسابات الإقليمية، وتكريس مفهوم الردع الجيواقتصادي.

وهنا تكمن خطورة المعادلة الجديدة؛ فتهديد الملاحة لا يستهدف دولة بعينها فقط، وإنما يمكن أن يؤثر في التجارة العالمية، وأسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد، وتكاليف النقل والتأمين.

ولهذا فإن الردع العسكري التقليدي وحده لم يعد كافياً، بل يتطلب الأمر استراتيجية متكاملة تجمع بين الضغط العسكري، والعقوبات الاقتصادية، والعزلة السياسية، وتجفيف مصادر التمويل والتسليح، وتعزيز قدرات الحكومة والقوات المدافعة عن الساحل الغربي.

كما أن حماية الملاحة الدولية تبدأ من معالجة مصادر التهديد على الأرض، وليس فقط التعامل مع نتائجها في البحر.


الخلاصة: بين القرارات والتنفيذ

ما يجري في تعز والساحل الغربي يعكس أزمة أعمق من مجرد مواجهة عسكرية. إنها أزمة استراتيجية تتعلق بكيفية إدارة الدولة اليمنية لحرب وجودية في سياق إقليمي معقد.

ورغم قرارات مجلس الدفاع الوطني وتوجيهاته، يبقى السؤال المحوري: كيف يمكن ترجمة هذه القرارات إلى دعم فعلي على الأرض يرفع العبء عن هذه الجبهات، ويحولها من جبهات دفاع وصمود إلى جبهات هجوم وتحرير؟

إن ترك تعز والساحل الغربي يقاتلان وحدهما ليس مجرد خطأ عسكري، بل يحمل مخاطر استراتيجية بعيدة المدى؛ لأنه يمنح الحوثيين فرصة لتعزيز نفوذهم في منطقة ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب، ويهدد أمن اليمن والمنطقة والعالم.

إن تعز ليست جبهة هامشية، والساحل الغربي ليس مجرد شريط جغرافي. إنهما جزء من معادلة الأمن الوطني اليمني، ومن منظومة الأمن البحري الإقليمي والدولي.

ومن ثم، فإن استمرار الضغط الحوثي عليهما، في ظل توقف أو محدودية حركة الجبهات الأخرى، يفرض على الحكومة الشرعية ومجلس الدفاع الوطني إعادة النظر في إدارة المعركة، ليس فقط من زاوية عسكرية، وإنما من منظور استراتيجي شامل.

فالمطلوب ليس بيانات جديدة عن الجاهزية، وإنما ترجمة الجاهزية إلى فعل، والقرارات إلى قوة، والدعم السياسي إلى إسناد ميداني حقيقي.

إن تعز والساحل الغربي لا يطلبان أن يقاتلا نيابة عن اليمن، بل أن تقاتل اليمن كلها معهما.

والوقت يداهم، والمواجهة لا تحتمل التردد؛ لأن المعركة التي تُترك لجبهة واحدة اليوم قد تصبح غداً معركة على أمن اليمن والمنطقة والعالم بأسره.

*أكاديمي ومحلل سياسي - جامعة تعز