آخر تحديث :الأحد-16 أغسطس 2026-09:16م

الأخضر يعلو.. والجوع يغدو..!

الأحد - 16 أغسطس 2026 - الساعة 07:34 م

محمد الصباري
بقلم: محمد الصباري
- ارشيف الكاتب


في ربوعٍ باتت تحت وصاية "الكهنوت الأخضر"، صار الجوع فنّاً تشكيلياً، والموت وجبة مؤجلة.. الشوارع تزينت كعرائس، والمآذن أُضيئت كأنها ليلة قدرٍ مستدامة، لكن المواطن هناك - ذاك الكائن الغامض الذي يرجح أنه لا يزال حياً - يحدق في المصابيح الخضراء متسائلاً: هل تؤكل هذه الأنوار؟ أم أنها تقية تجب فيها الزكاة؟!!


المفارقة التي لو كانت رواية لكتبت ككوميديا سوداء:

البسطاء يمشطون جيوبهم الفارغة بحثاً عن ريالٍ لخبزٍ يابس، والقادة يُمشّطون المدن بحثاً عن زاوية لم تكتسِ خضرةً بعد.. ميزانيات خرافية تصرف على "الزينة العقائدية"، بينما المواطن يطلب منه رفع الراية الخضراء ورافع رأسه -لا ليكبر، بل ليرى إن كان السقف لا يزال يحميه من المطر!


يا للهول! بلد يئن تحت فقر مدقع وانهيار متجدد، وفجأة يكتشف أن الأولوية القصوى هي: ألا يخلو شارع من ضوء أخضر، ولا يترك جائع إلا من دون أن يضاف له لون لى جوعه! كأنهم يؤمنون أن الضوء الأخضر يشبع، أو أنه صكّ غفران عن ذنب إهمال الملايين.


السؤال الساذج حقاً - الذي يجر عليك وصف "خارج الإجماع"- هو:

لماذا لا تحوّل تلك المليارات إلى رواتب توقف نزيف الكرامة والعزة يا عبدالملك ، أو أدوية تسد فجوات الأجساد، أو مياه تشربها الحناجر لا الشوارع؟ لكن الإجابة تأتي كالصاعقة: "المولد النبوي لا يتكرر، أما الجوع فسنة كونية يا أخي!" - هكذا يعاد اختراع الدين ليصبح مهرجاً، والنبي ليتخذ جبةً للتسول السياسي!


والأطرف من هذا كله: أن المظاهر تقدم حباً للنبي ، بينما سيرته المطهرة تقول: "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع"، لكنهم يبدلون: "ما آمن بي من لم ينر شارعه أخضر"..! الرحمة تحولت إلى رايات، والعدل إلى إضاءات، والإطعام إلى استعراض عضلات بالزانيا الكحلية.


لا اعتراض على فرحةٍ صادقة، ولا على ذكرى عطرة، لكن حين تتحول المناسبة إلى مولدٍ للدولة لا للنبي، وإلى تعبئةٍ لا إلى عبادة، وإلى تضييع أموالٍ لو أُنفقت على لقيماتٍ لكانت صدقةً جارية، حينها لا تكون مناسبةً دينية، بل مسرحيةٌ هزليةٌ بأضواء خضراء.


وفي النهاية، لنعد مسابقتين موضوعيتين:

الأولى: من يعلق أطول سلسلة مصابيح؟

الثانية: من يجد أسرةً لا تنام جائعة تحت تلك المصابيح؟

في الأولى، الميزانيات مفتوحة بلا سقف.

في الثانية، الميزانيات تغلف ب"عدوان" قديم، كأن الجوع وليد طيرانٍ لا وليد خرابٍ داخلي ومسيرة دموية ابتلعت الدولة، وتبتلع مقدرات وخيرات البلاد بمناطق سيطرتها!


شر البلية.. أن تضحك حتى تدمع، ثم تكتشف أن دموعك حقيقية والضحك وهمٌ - تماماً كالأنوار الخضراء التي تضيء الشوارع، بينما تطفئ الأمل في البيوت يا مليشيات الظلام!