آخر تحديث :السبت-15 أغسطس 2026-10:06م

المخا لا تخوض معركة جبهة.. إنها تختبر قوة اليمن!

السبت - 15 أغسطس 2026 - الساعة 08:45 م

محمد الصباري
بقلم: محمد الصباري
- ارشيف الكاتب


ثمة مدن لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها كي تقول من تكون، يكفي أن تنظر إلى ما يحدث حولها لتفهم.. والمخا واحدة من هذه المدن ، تقف هذه الأيام تحت نار كثيفة، لكنها لا تبدو مدينة تبحث عن النجاة بقدر ما تبدو جبهة تختبر صلابة قوة تشكلت فيها خلال سنوات طويلة.


ما يحدث في الساحل الغربي خلال الأيام الأخيرة يستحق أن يُقرأ من زاوية مختلفة.. الحوثيون لم يفتحوا على المخا هذا القدر من النار عبثاً.. صواريخ باليستية، أسراب من المسيّرات، قصف طال الميناء والأعيان المدنية، ومحاولات ضغط على امتداد الجبهة، كل ذلك يقول إنهم يعرفون جيداً ماذا تعني المخا وماذا تعني القوة الموجودة فيها.. وقد أعلنت قوات المقاومة الوطنية أن الساحل تعرض خلال أيام لعشرات الصواريخ والمسيّرات، بينها 36 صاروخاً باليستياً و42 مسيّرة، مع إسقاط 11 منها وفق بيانها.


وهنا تحديداً تتغير زاوية النظر.. فلو كانت المخا مجرد مدينة صغيرة على شاطئ البحر، لما احتاج الحوثيون إلى كل هذا الجهد، ولو كانت القوات المرابطة فيها مجرد تشكيلات محدودة الإمكانات، لما احتاجت الجماعة إلى هذا الحجم من النار كي تحاول إرباكها.. المسألة، في تقديري، أبعد من ذلك بكثير ، فهناك قوة عسكرية تشكلت في الساحل، كبرت مع المعركة، وتعلمت منها، وأصبحت اليوم أكثر من مجرد قوة تمسك خط تماس.


في المخا، توجد خمس فرق عسكرية مدربة تدريباً عالياً، ومسلحة بأسلحة نوعية، تتحرك ضمن محورين رئيسيين: محور الحديدة الممتد عبر حيس وجبل رأس والخوخة، ومحور البرح. وإلى جانب هذه القوة البرية توجد تشكيلات بحرية وخفر سواحل. وإذا صحت التقديرات المتداولة التي تضع قوام هذه القوات في نطاق عشرات الآلاف، فإننا لا نتحدث عن قوة صغيرة تحرس مساحة ساحلية محدودة، بل عن كتلة عسكرية بشرية ضخمة راكمت سنوات من الخبرة في واحدة من أكثر بيئات الحرب اليمنية تعقيداً.


لكن الأرقام، مهما كانت كبيرة، ليست هي القصة كلها، القصة في ذلك الجندي الذي لم يعد ينظر إلى المعركة بالطريقة التي كان ينظر إليها في بداياتها، في المقاتل الذي عرف الأرض شبراً شبراً، وعرف خصمه، وعرف كيف يصمد أمام الصاروخ والمسيّرة، وكيف يتحول من الدفاع إلى الهجوم حين تحين اللحظة.


والأهم أن المعركة نفسها بدأت تتغير..الساحل الذي عرفناه سنوات طويلة بوصفه جبهة برية، صار اليوم مسرحاً تتحرك فيه القوة من البر إلى البحر، ومن الأرض إلى السماء.. هناك قوات برية تواجه وتصد، وتشكيلات بحرية تؤدي مهامها، وخفر سواحل يحرس الشريط البحري، وقد دخلت المسيّرات هي الأخرى إلى معادلة المواجهة.. هذه ليست صورة جبهة جامدة، بل صورة قوة تتكيف مع طبيعة الحرب الجديدة.


وهذا ما يجعلني أرى أن أكبر ما حققته تجربة المقاومة الوطنية والتشكيلات المقاتلة في الساحل الغربي ليس عدد المواقع التي أمكن تثبيتها، ولا طول خطوط الانتشار، بل بناء عقل عسكري جديد في منطقة كانت تبدو في سنوات سابقة قابلة للابتلاع الحوثي.. لقد جرب الحوثيون الساحل مرة بعد أخرى، جربوا الاقتحام، والقصف، والصواريخ، والمسيّرات، واليوم يضيفون إلى ذلك ضغطاً نارياً كثيفاً على المخا ومينائها.. وفي كل مرة، يعود السؤال نفسه: لماذا كل هذا الإصرار على هذه البقعة تحديداً؟


الإجابة ليست في المخا وحدها، بل في موقعها، وفي البحر الذي أمامها، وفي باب المندب القريب منها، وفي الطريق الممتد شمالاً نحو الحديدة، وفي البرح الذي يفتح على عمق جغرافي مختلف، وفي القوة التي تقف خلف كل ذلك.. لقد أثبتت الأيام الأخيرة أن المخا ليست جبهة على هامش الحرب، بل هي واحدة من مفاتيحها.


وحين تقف أمام هذه الصورة كاملة، يصعب أن تتعامل مع المقاومة الوطنية باعتبارها مجرد تشكيل عسكري آخر، فهناك تجربة تشكلت في ظروف قاسية، ودفعت ثمنها من الدم، ثم أعادت تنظيم نفسها، وطورت أدواتها، وبنَت تشكيلات برية وبحرية، وأوجدت حضوراً أمنياً وعسكرياً في منطقة بالغة الحساسية.. والذين يراقبون المشهد من بعيد قد يرون فقط دخان الصواريخ فوق الميناء، أما من يقرأ ما وراء الدخان، فسيرى شيئاً آخر: الحوثيون يحاولون ضرب القوة قبل أن تفكر هذه القوة في الانتقال من مرحلة تثبيت الجبهة إلى مرحلة فرض معادلة جديدة.


وهنا أقولها بصراحة: لا ينبغي التقليل من هذه القوات، ليس لأنني أريد أن أرفع من شأنها بالكلمات، بل لأن السنوات التي قضتها في الميدان قالت ذلك قبل أن أقوله أنا.. قوات تمتلك التدريب، والسلاح النوعي، والخبرة، والتشكيلات البرية والبحرية، وتعرف الأرض، وتملك قضية ترى نفسها تقاتل من أجلها، وتخوض الآن مواجهة متعددة الأدوات، لا يمكن النظر إليها باعتبارها قوة محلية محاصرة داخل جغرافيا محدودة.. الجغرافيا قد تكون محدودة، لكن القوة ليست كذلك بالضرورة، قد لا تتجاوز المساحة التي تحرسها هذه القوات عشرات الكيلومترات مقارنة بمساحة اليمن الهائلة، لكن التاريخ العسكري لا يقيس الجيوش بمساحة انتشارها فقط، بل أحياناً تكون القيمة الحقيقية للقوة في قدرتها على الإمساك بمكان صغير شديد الأهمية، ثم تحويله إلى قاعدة تمنع خصماً أكبر من الوصول إلى ما يريد.


وهذا هو سر المخا: لقد تحولت من مدينة على البحر إلى عقدة عسكرية، ومن عقدة عسكرية إلى مساحة اختبار، ومن مساحة اختبار إلى عنوان لقوة يمنية تقول، بالفعل لا بالشعارات، إنها قادرة على الصمود أمام موجات متتالية من النار.. في الأيام الماضية والقريبة جداً من حيث الساعات، كان حوثة الحرس الثوري الإيراني يقصفون المخا بالصواريخ والمسيّرات، وكانت الحرائق ترى في الميناء، وسقط ضحايا مدنيون وعسكريون.. وفي المقابل، لم تختفِ القوات من المشهد، ولم تتخلَّ عن مواقعها، بل استمرت المواجهة على أكثر من محور، فيما دخلت الطائرات المسيّرة والقوة النارية الحكومية في عمليات استهداف مضادة في جبهات مختلفة.


وهنا يكمن المعنى الأهم: هذه ليست قوة تنتظر أن تنتهي الحرب لكي تبدأ في بناء نفسها ،هذه قوة بنت نفسها داخل الحرب.. ولهذا فإنني أعتقد أن الحديث عن المقاومة الوطنية وتشكيلات الساحل الغربي يجب ألا يبقى محصوراً في أخبار المعارك اليومية.. المعركة الحالية مهمة، نعم، لكنها كشفت شيئاً أكبر:


كشفت أن في الساحل قوة عسكرية تراكمت لديها من الخبرة والإمكانات ما يجعلها واحدة من أهم أوراق القوة اليمنية في أي معادلة مقبلة.!


والذين يتساءلون: ماذا يمكن أن تفعل هذه القوات؟ ربما عليهم أولاً أن ينظروا إلى ما فعلته وهي تقاتل في مساحة محدودة، وتحت ظروف حرب طويلة، وبإمكانات لم تكن دائماً مثالية.. ثم يسألوا السؤال الأكبر: ماذا يمكن أن تفعل قوة كهذه إذا امتلكت قراراً وطنياً موحداً، وإسناداً حقيقياً، وتسليحاً متطوراً، وفتحت أمامها جغرافيا اليمن بدل أن تبقى محصورة في خطوط الساحل؟


أنا لا أقول إن الطريق سهل، ولا إن تحرير اليمن قرار عسكري فقط ، الدولة لا تستعاد بالبندقية وحدها، والحروب لا تحسمها الشجاعة وحدها.. لكنني أقول إن من يملك في المخا قوة بهذا الحجم، وبهذه الخبرة، وبهذا التنوع بين البر والبحر والمسيّرات والمخابرات لا ينبغي أن ينظر إلى نفسه كقوة تحرس مئة كيلومتر من الساحل، بل ينبغي أن يعرف أنه يحرس باباً من أبواب اليمن، وأن خلف هذا الباب وطناً كاملاً.


ولهذا، حين أرى هذا الكم من الصواريخ والمسيّرات يتجه إلى المخا، لا أرى الحوثي يثبت أنه أقوى، بل أرى، قبل ذلك، أنه يعرف أين توجد القوة التي يخشاها.. والقوة التي يخشاها خصمك ليست تفصيلاً عابراً، إنها رسالة.. ورسالة المخا هذه الأيام، وسط النار والدخان وصوت المسيّرات، بسيطة وواضحة:


هنا رجال لم تنتهِ معركتهم، وقوة لم تبن لتبقى إلى الأبد في موقع الدفاع، هنا قوة تنتظر لحظة التحول.. وحين تأتي تلك اللحظة، لن يكون السؤال:

هل تستطيع المقاومة الوطنية وتشكيلات الساحل حماية المخا؟ السؤال الحقيقي سيكون:

إلى أين يمكن أن تصل هذه القوة إذا فتح لها الطريق؟

لن أطيل أكثر:

لا بد من صنعاء وأن طال الطريق!