لن أترك الباب مغلقاً، ولن ألتزم صمت العاجزين. سأظل أطرق هذا الباب المتهالك ولو وصل عدد الطرقات إلى الألف؛ وفاءً لعهدي مع المظلومين من أبناء هذه المدينة الصابرة، الذين حملوني أمانة كشف الغطاء عن المستور، وتعرية سلطة محلية كان يُفترض بها أن تكون حارسة لأحلام المواطن وأمينة على همومه، فإذا بها تتحول إلى سوط يعاقبه بالمزاجية، والتطنيش، والانتقام، وقلة الحياء
نعذر فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، فموج البحر الذي يقوده متلاطم، والقضايا المقامة على طاولة الشرعية تنوء بها الجبال. لكننا، في ذات الوقت، لا نعفيه من مسؤولية المساءلة والمحاسبة لمن منحهم "المهلة الرئاسية" تلو الأخرى. هؤلاء الذين تجذر الفشل والفساد في نفوسهم حتى صارا ركناً أساسياً في طبيعتهم؛ لا يثمر فيهم معروف، ولا تمحو لؤمهم مروءة. ،فمهما قُدمت لهم من فرص للنهوض وإثبات الولاء للوطن وللمدينة، لا يترددون في طعن اليد التي امتدت إليهم، مدفوعين بأحقاد دفينة ورغبة عارمة في تجريف كل ما حولهم لتحقيق مكاسب شخصية ضيقة، ولو كان الثمن كرامة تعز ودماء شهدائها.
هندسة الفساد.. تحويل التسول إلى "استراتيجية تنمية"
إن سخط الشارع في تعز ضد السلطة المحلية ليس وليد صدام عابر، بل هو نتيجة طبيعية لتفشي الفساد الممنهج، وانعدام الخدمات الأساسية، والتضييق المتعمد على الناس في معايشهم اليومية. تعز اليوم تلفظ بوضوح هذه السياسة القائمة على الوعود الكاذبة، والترهيب ، والوعيد، ولن تقبل إلا بوضع عسكري وأمني وخدمي ملموس يُترجم بإنجازات حقيقية في الميدان.
في عهد المحافظ نبيل شمسان، شهدنا عجباً إدارياً غير مسبوق؛ حيث شُرعنت خطة "التنمية المستدامة" لتتحول في حقيقتها إلى أدوات للتسول المنظم لصالح سلطة فاشلة تدير نهباً علنياً لمقدرات المحافظة. في الوقت الذي تفتقر فيه تعز لأبسط مقومات الحياة الكريمة، لم يُطبق برنامج واحد لتعزيز النزاهة والشفافية، بل على العكس، ابتُكرت آليات جديدة لتكريس الفساد وتعزيزه، حتى انقلبت الآية وصار الفساد هو الأصل والنزاهة هي الاستثناء الطريد.
لقد غدت الرشوة والوساطة والسمسرة هي السبيل الوحيد لإنجاز أي معاملة للمواطن البسيط في المكاتب الإيرادية والخدمية، بينما تدار التعيينات والتعاقدات الكبرى عبر شبكات لصوصية محترفة، ضحيتها الأولى والأخيرة هو المواطن الذي يدفع الثمن من لحمه الحي.
اغتيال الكلمة.. حين يُحمى الفاسد ويُلاحق الشريف.
إن الوجه الأكثر قتامة في عهد نبيل شمسان هو حملة القمع الممنهجة والترهيب المستمر الذي يتعرض له الصحافيون، والكتاب، وكاشفو الفساد.
في تعز اليوم، هناك قاعدة مقدسة تحمي الفاسدين وتمنحهم الحصانة والامتيازات، بينما يُلاحق الناقدون أمنياً، ويُطلبون للقضاء بتهم كيدية، ويُعاملون كخارجين عن القانون لمجرد أنهم رفضوا أن يكونوا شهود زور على بيع المدينة في سوق النخاسة الإدارية...
وفي أحسن الأحوال، إذا نجا الصحافي أو الموظف النزيه من الاعتقال أو الملاحقة الأمنية والقضائية ، فإن مقصلة الإقصاء والتهميش تكون في انتظاره؛ فيُجمد في عمله، أو يُقهر في بيته، وأنا أولهم. لقد تحولت الوظيفة العامة من تكليف لخدمة المجتمع إلى وسيلة لابتزاز الولاءات، حيث أُسندت المهام القيادية والإشرافية لغير المؤهلين والفاشلين، بل ولمن زخرت مسيراتهم بقضايا فساد مالي وإداري موثقة، فقط لأنهم يتقنون الصمت والتصفيق.
إن هذا الترهيب الموجه ضد الصحافة الحرة يهدف إلى خلق سلطة بلا رقيب، ومدينة بلا صوت، ليتسنى لسماسرة التعاقدات والتعيينات العبث بمقدرات المحافظة دون إزعاج.
وهم "رجل الضرورة" وإدارة الصراعات الهشة.
لقد أتقن المحافظ شمسان فنًا واحدًا برع فيه: إدارة الخلافات وتغذية الصراعات السياسية الهشة لمصلحته الشخصية.
يعمد الرجل إلى تذكية المناكفات البينية وإبقائها مشتعلة تحت الرماد، لكي يقدم نفسه دائماً للمجلس الرئاسي وللأطراف السياسية على أنه "رجل الضرورة" الذي يمسك بشعرة معاوية بين الجميع، والبديل الذي إذا رحل، ستسقط المدينة في أتون الضياع والاضطراب.
إنها لعبة مكشوفة لاستثمار الأزمات للبقاء على رأس الهرم، بينما الحقيقة الصادمة هي أن أزمة تعز ليست في قلة مواردها، بل في سوء هذه الإدارة التي مكنت اللصوص من استنزاف الدولة عبر نهب واختلاس ممنهج جعل المحافظة تئن كجسد مصاب بداء المفاصل.
المخرج والبديل: تعز أولاً وأخيراً :
إن تعز لن تلتف بعد اليوم حول ثعالب السياسة أو المصفقين والمهللين، بل تتطلع إلى قائد ملهم وحقيقي:
يتجرد من العمل الحزبي الضيق: ويقف على مسافة متساوية من جميع المكونات، ليجعل من تعز حزبه الأول وقضيته الكبرى.
يتعامل بروح المسؤولية الوطنية: مع الوحدات العسكرية والأمنية بمختلف أشكالها دون مجاملة أو تمييز، مغلبًا مصلحة المدينة فوق كل اعتبار.
يركز الجهود نحو الهدف الأسمى: توحيد الصف الجمهوري لمواجهة الانقلاب الحوثي، وفك الحصار الجائر عن المدينة، واستعادة كرامة الإنسان.
تعز ستنتصر اليوم أو غداً، فهذه الأرض ولادة ولا تقبل الضيم. لكن هذه المرحلة هي مجرد امتحان عسير لفرز معادن الرجال. والفرصة لا زالت سانحة أمام من أراد أن يحجز لنفسه مقعداً في شرفات التاريخ الخالد بوقوفه مع الحق، بدلاً من التهافت المخزي على فتات سلطة زائلة لا تدوم.. ولهم الخيار.
"والله غالبٌ على أمره"