آخر تحديث :الإثنين-20 يوليو 2026-05:57م

أيقونة وهمية

الأحد - 19 يوليو 2026 - الساعة 11:57 م

حسين الوادعي
بقلم: حسين الوادعي
- ارشيف الكاتب


تبالغ جماعة التيار المحافظ في الثقافة العربية، والإسلاميون اليوم، في تقديم شخصية مثل محمود محمد شاكر، وتصويره للقراء (أو بالأصح لغير القراء) نابغةً وباحثًا ومؤلفًا فذًا، وشيخًا للعربية والتراث، وصاحب فتوحات علمية لا سابق لها ولا لاحق.


ويبدو أن للانبعاث الجديد لهذا التيار، بعد الربيع العربي، دورًا في إعادة ضخ مواد كثيرة عن شاكر بغرض أسطرته وتهميش خصومه الثقافيين.


والحقيقة أن أغلب معارك محمود شاكر الأدبية كانت، غالبًا، ادعاءات بلا دليل، وأن أغلب ما كتبه من ردود، سواء على طه حسين أو لويس عوض، ليست ردودًا علمية بقدر ما هي صفحات طويلة من الشتائم والاتهامات والنرجسية المفرطة (وأنا مستعد لوصف كتبه فصلًا فصلًا ومقالًا مقالًا لإثبات ذلك).


نعم، حقق محمود شاكر بعض مخطوطات التراث، لكن ما قدمه كان عاديًا على مستوى الكم والكيف. أما كتبه، فليس له كتب بالمعنى العلمي للكلمة؛ فأغلب ما نُشر له من مؤلفات هو تجميع لمقالات طويلة ومكررة، تبدأ دائمًا بالحديث النرجسي عن النفس والذكريات، ثم بالهجوم اللفظي على الطرف الآخر، ثم بسرد أخبار متفرقة من هنا وهناك لا علاقة لها بموضوع النقاش.


وينطبق هذا على كتابه في الرد على لويس عوض، «أباطيل وأسمار»، وكل من قرأه يعرف أن شاكر لم يرد، ولم يفند، ولم يتجاوز في مئات الصفحات طور المديح الذاتي والشتائم النابية في حق الخصم.


ولم يرد على طه حسين أي رد علمي، لا في المقدمة التي أضافها إلى كتاب «المتنبي»، ولا في «رسالته». كما أن ادعاءاته حول نقاشات جرت بينه وبين طه حسين في الجامعة غير موثقة، ومبالغ فيها، ونابعة من غرور مفرط بالذات.


فقد ادعى أنه أفحم طه حسين في محاضراته حول نسبة الشعر الجاهلي، وادعى، دون دليل حتى هذه اللحظة، أن أفكار كتاب «في الشعر الجاهلي» مسروقة من مرجليوث، وأن طه حسين ألّف كتابه عن المتنبي متأثرًا بكتابه هو، بل وسرق منه. والحقيقة أن ما يدعوه شاكر كتابًا ليس كتابًا، بل مجموعة مقالات كتبها بناءً على طلب فؤاد صروف رئيس تحرير مجلة «المقتطف» بمناسبة مرور ألف سنة على ميلاد المتنبي. وفي السنة نفسها صدرت كتب أخرى عن المتنبي.


ففي تلك السنة، 1935-1936، كان العالم العربي يحتفل بذكرى المتنبي، فظهرت كتب عنه من تأليف عبد الوهاب عزام وإبراهيم العريض، إلى جانب مقالات للعقاد.


لكن شاكر اخترع أسطورة تأليفه المنفرد للكتاب، وروّج لأتباعه ومريديه قصة تأثر طه حسين به أو سرقته منه. كما أن شاكر هو من مدح نفسه، ووصف كتابه بالعبقرية والتفرد في المنهج، ولم ينتظر حكم الآخرين عليه.


وكل من قرأه رأى فيه تجميعًا عاديًا لشذرات من حياة المتنبي، مع شطحة تاريخية بلا دليل، وهي القول بانتماء المتنبي إلى آل البيت (أحفاد علي بن أبي طالب).


ولا شك ان نرجسية المتنبي قد لاقت صدى عند نرجسية شاكر. وشاكر نفسه ظل يفتخر في مجالسه بأنه من أحفاد علي وفاطمة، ويرى في ذلك رفعة له وتميزًا عن كل من حوله. وأصبحت ثنائية الانتماء الهاشمي واسطورة الفارس المحارب للغزو الثقافي ملازمة للتقدير المبالغ فيه للذات الذي كان شاكر يرسمه حول نفسه، ثم التقطه أتباعه ومريدوه.


كما أن انسحابه من الجامعة لا علاقة له بأي معركة فكرية مع طه حسين كما حاول أن يدعي؛ فقد كان طه حسين رمزًا وأسطورة فكرية، ولا يمكن أن يدخل في صراع مع طالب لا يدرك أبسط أسس البحث والنقد الأدبي الحديث، خاصة أن طه حسين هو الذي مهّد له طريق الالتحاق بالجامعة.


وكان انسحاب شاكر تعبيرًا عن عجزه عن التعاطي مع الجو البحثي الجديد في الجامعة، في إطار نزعته التراثية المفرطة. وظل شاكر هو الشاهد الوحيد على نقاشاته مع طه حسين، والمادح الوحيد لكتاباته الذاتية ردحًا من الزمن، حتى اشتعل الصراع بين الفيصلية والناصرية، ووجد له معسكرًا يعيد تسليحه وإطلاقه.


وإذا كان هناك سبب لهذا الاحتفاء اليوم بشاكر، فهو سبب قديم متجدد، يتمثل في الصراع بين القديم والجديد، وبين التراثيين والحداثيين، الذي اشتعل منذ الأربعينيات حتى السبعينيات. وكان شاكر، بأسلوبه الحاد واندفاعه، في مقدمة المحاربين للحداثيين، الذين أُنيط بهم تسفيه الجديد وتكفيره، لا الرد عليه ردًا علميًا.


وكانت السعودية آنذاك المركز الفكري للتيار العربي المحافظ والتراثي، ولذلك احتضنت شاكر، ودعمته، وأعادت تقديم «أباطيله وأسماره» في ثوب الفتح الثقافي المبين.


ومع تراجع مثقفي التنوير اليوم يصير الجو مناسبا لبعث المحاربين القدامي بعدتهم القديمة لشن ضربة جديدة ضد ثقافة الحداثة رغم هامشيتها اليوم وتراجعها.


وكان عجز شاكر عن التحصيل الأكاديمي جرحًا غائرًا في داخله؛ فبسببه ظل يسخر من مناهج النقد وأساليبه، ومن الجامعات والأكاديميين قاطبة، ثم حاول أن يبتكر منهجًا لا علاقة له بالمنهجية، هو «منهج التذوق»، بلا أسس ولا خطوات ولا قواعد.


من حق كل تيار أن يفتخر برموزه، لكنني أدعو كل من يتحدث عن شاكر بصفته شيخ العربية، أو شيخ المحققين، أو قاهر طه حسين وعوض، أن يقدم لنا دلائل من كتاباته، يثبت فيها أنه قدم نقدًا علميًا رصينًا، وليس مجرد هجوم لفظي قائم على اتهامات بالتنصر والمجوسية والصليبية والعمالة والتبشير والاستعمار وغيرها من الألفاظ التي تشكل الحمض النووي لكتابات شيخ التراثيين.