آخر تحديث :السبت-18 يوليو 2026-01:21ص

خطاب عبدالملك

السبت - 18 يوليو 2026 - الساعة 12:22 ص

علي العمراني
بقلم: علي العمراني
- ارشيف الكاتب


للمرة الثانية، منذ نشوء الحركة الحـ ـوثية، استمعت إلى خطاب عبدالملك. وأفهم، مثل غيري، أن الإستماع إلى مثل تلك الخطابات مملّ إلى الغاية، بل لا يُحتمل ولا يطاق؛ فهم ليسوا جماعة خطاب وحجة ومنطق، ولا أصحاب قضية وطنية حقيقية، وإنما جماعة عنف وإرهاب وموت وخراب وزيف ودجل.


كانت المرة الأولى في بداية  يوليو 2014، حين كان عبدالملك وجماعته ما يزالون خارج عمران. وأمس قال أحد أبنائنا النازحين، أو المنفيين المظلومين: أما سمعت؟ لقد تحدث عبدالملك عن الحقوق والكرامة والعبودية والمظلومية والحرية، يا ليت تسمع!


في المرة الأولى، قبل اثني عشر عاماً، علقت على ذلك الخطاب، وقلت وقتذاك: كان أولى بذلك الشاب أن يكون داعية سلام، لا مسعر حرب. ولكنه أبى إلا أن يستمر مسعرَ حربٍ وخرابٍ وموت، فاجتاح عاصمة البلاد، ومضى مع جماعته في كل اتجاه ليعيثوا في الأرض فساداً وخراباً وفوضى، وما تزال التبعات الكارثية لذلك تتفاقم وتتوالد إلى اللحظة، وإلى أجل غير مسمى.


وفي حين يتحدث الآن عن الشعب اليمني العزيز، فقد تحدث في ذلك الخطاب القديم عن خمس محافظات زيدية، بما يوحي أنه يمثلها حصراً، ولا شأن له بغيرها، وأنها لا بد أن تشارك في الحكم، كما قال. ولعله لم يكن يدرك أن اليمنيين قد تجاوزوا تلك التقسيمات منذ أكثر من نصف قرن، بل إن الإمام البدر نفسه قال في أول خطاب له: لا زيدية، ولا شافعية، ولا قحطانية، ولا عدنانية، وإنما اليمن!


وقد ناقشت المفارقات والمغالطات بشأن الشراكة في الحكم التي وردت في خطاب عبدالملك السابق في وقتها، ولا أكرر التعليق الآن على تلك الجزئية. ونعلم أنه هو وأخاه وأباه وأسلافه ينطلقون في التسلط والحكم من مبادئ ليست وطنية ولا إنسانية، وهي، وطنياً وإنسانياً، أضيق من سم الخياط؛ وتقتصر على الخرافة والعنصرية والطائفية والسلالية والجهل.


وتحدث عبدالملك أمس عن الظلم، وعن الحرية والكرامة، لكنه تجاهل كم أنه نال من اليمنيين وحقوقهم وكرامتهم وحريتهم وسعادتهم ووحدة وطنهم ولُحمتهم على نحو غير مسبوق. وهو يعلم كيف يعيش الشعب تحت سلطته، أما الذين نزحوا خارج البلاد بسببه، فالله أعلم بحالهم.


بعد نزوحي من اليمن بفترة، تعرضت  ذات مرة، إلى موقف مستفز، في نقطة تفتيش أمنية في دولة شقيقة في جزيرة العرب، وكنت مع جماعة عائدين من عزاء. وعلى الفور حضرت في ذهني ووجداني  معاني بلادي العزيزة، اليمن، وهي لا تغيب عني  لحظة، لكن سرعان ما انتصبت أمامي في الخيال والأفق وظلمة الليل، صورة عبدالملك، الذي سلم له الأغبياء والتافهون والخونة صنعاء، فتذكرت أنني غريب، وأن بلادي بعيدة ومغتصبة، يسيطر عليها الطغاة والدجالون والمجرمون.


وجه عبدالملك في خطابه الأخير أسئلة إلى اليمنيين منها : هل يقبلون أن يكونوا عبيداً؟ وهو يعرف أن الإجابة: لا. وأنهم يأبون أي معنى للعبودية، سواء كانت جاءت من مواطن يمني دعِي،  يزعم، أنه إله أو شبه إله، أو  من سلالة مقدسة، أو من قبل أجنبي، أكان قريباََ أو بعيداََ.


وصحيح أن اليمنيين يعانون كثيراً في منافيهم، لكنهم اضطروا إلى تلك المنافي، بما فيها من آلام ومخاطر ومتاعب وشتات وعذاب وغربة، وفي حالات كثيرة إلى الموت في البحار والغابات وعلى الحدود، فضلاً عن الذين يُقتلون في الجبهات؛ لأن هناك من يريد أن يستعبدهم في وطنهم ويفقرهم، ويفرض عليهم ممارسات واستعلاءً وظلماً ومفاهيم من قبيل: سيدي ومولاي (فلان بن فلان الفلاني! ) وما يتصل بذلك من معانٍ تتنافى مع الحرية والكرامة.


أما التنكيل والمظالم، فأظن أن عبدالملك لا يحتاج إلى أن نرسل له صوراً موثقة لذلك، مما حدث بمجرد دخول جماعته صنعاء؛ فهو لا يجهل تفاصيل تلك الوقائع. فما بالك بالطغيان والتمادي والتجبر الذي عُرفوا به بعد أن ظنوا أن الجو قد خلا لهم.


أما تحالف العرب، فكثيراً ما عارضنا سياساته ووسائله وأجنداته  الضارة باليمن، وندفع ثمن ذلك أيضاً، لكنهم لا يُلامون أكثر من “صاحب البلاد”  فهو سبب النكبة، وكل ما نتج عنها من تدخلات خارجية، واستغلال، ومآسٍ يمنية مضاعفة.

من صفحة الكاتب على موقع فيس بوك