آخر تحديث :الثلاثاء-14 يوليو 2026-11:02م

إمام وثلاثون عاماً من السم والحديد

الثلاثاء - 14 يوليو 2026 - الساعة 10:07 م

محمد عبيد
بقلم: محمد عبيد
- ارشيف الكاتب


غادر العثمانيون اليمن تاركين بلداً تتنازع داخله حسابات لم تجد من يغلق دفاترها. أعادت المدن ترتيب أيامها، وكل طرف ينتظر اللحظة التي يختبر فيها الحاكم القادم. وصل يحيى حميد الدين إلى الحكم بعد صراع طويل داخل البيت القاسمي. بنى سلطته على الطاعة، وجعل السجن وسيلته الأسرع لترتيب ما تبقى.


وجد أمامه شبكة من المشايخ والوجهاء، ولكل واحد منهم رجال وسلاح ونفوذ، فتحرك لتفكيك هذه المراكز. حسمت البنادق جانباً من المهمة، والسجون استقبلت الجزء الباقي. أصبحت الكلمة تسبقها حسابات طويلة، والمجالس امتلأت بوجوه تنصت أكثر مما تتحدث، وآذان تؤدي واجبها بإخلاص.


في تهامة وصلت حملة أحمد بن يحيى إلى ديار الزرانيق. دخل الجنود القرى، وامتدت أعمال النهب، ثم تبعتها موجة واسعة من الأسر. انتهى القتال وبدأ فصل آخر أشد قسوة. اقتيد قرابة ثمانمائة من زعماء الزرانيق إلى سجن حجة، وأغلقت الأبواب خلفهم، ثم تولى السم ما تبقى من المهمة. خرج شيخ واحد يحمل الرواية، بينما بقيت بقية الأسماء موزعة بين ذاكرة الأهالي وصفحات اكتفت بالصمت.


لحقت ملحان بالقائمة بعد أن تبدلت علاقتها بالإمام. التمرد على العامل أشعل حملات متلاحقة، واتسعت المواجهات حتى فرغت قرى كاملة من سكانها. نزحت أسر كثيرة إلى تهامة، وامتلأت الحصون بالرهائن. احتفظت الأرض بآثار الرصاص، وحفظ الأهالي أسماء الذين غابوا.


ثم اندلعت انتفاضة صليل فعادت الجيوش مرة أخرى الى تهامة، واقتيد نحو ألف وثلاثمائة رجل إلى السجن، ثم انتهت الحكاية بالسم، واختفت الجثامين في مقابر بقيت بعيدة عن أهلها. الأرقام معروفة أما الوجوه فتكفلت السنوات بمحو ملامحها من الذاكرة العامة.


واجهت المقاطرة حملة سبقتها رواية جاهزة. انتشرت اتهامات بالكفر والانحراف. الكلمات سبقت الجنود، وبعدها وصلت البنادق لتؤدي مهمة مكتملة المبررات. عرفت السلطة قيمة الحكاية قبل المعركة. منح التحريض المغلف بخطاب ديني الدم مظهراً مقبولاً عند من يكتفي بسماع الرواية الأولى.


وعندما سقطت قلعة المقاطرة عام 1922، أُجبر الأسرى على حمل رؤوس قتلاهم فوق أكتافهم في رحلة طويلة إلى صنعاء استمرت قرابة شهر. سار الأب يحمل رأس ابنه، وسار الابن يحمل رأس أبيه، وتحولت الطريق إلى سجل مفتوح قرأته القرى بصمت. لم تحتج القافلة إلى خطيب يشرح مقصدها، فقد أدت الرؤوس المهمة كاملة.


امتدت الحملات إلى مناطق أخرى. شهدت حاشد محاولة لتنصيب إمام جديد عام 1919، فانتهت المحاولة بالمعتقلات. وفي البيضاء دفعت القبائل ثمن خياراتها، ثم وصلت الحملات إلى تعز وإب، فهدمت بيوت وامتلأت الزنازين بأسماء جديدة، واصلت الحياة حركتها اليومية وكأن البلاد اعتادت هذا الإيقاع منذ زمن بعيد.


مرت ثلاثون عاماً، وتحولت السجون إلى جزء مألوف من صورة الدولة، وكبر جيل كامل وهو يعرف أن الاقتراب من السلطة يحتاج إلى خطوات محسوبة، وأن الابتعاد عنها يحتاج إلى مهارة أكبر.


قُتل يحيى حميد الدين في 1948، ووصل أحمد إلى الحكم حاملاً الملفات نفسها، أما القرى فاستمرت في انتظار رجال خرجوا ذات صباح ولم يعودوا. كبرت الأشجار وتبدلت ملامح الأطفال وبقيت الحصون فوق التلال تراقب الطرق المؤدية إليها، وكأنها تعرف أن الصفحة التالية وجدت قارئها قبل أن يجف حبر الصفحة السابقة.


محمد عبيد

#صحيقة_النداء