كنت، كغيري من أبناء هذا الوطن، أتابع تطورات المشهد اليمني لحظة بلحظة. وبينما كنت أستمع إلى خطاب الرئيس عبدربه منصور هادي، فوجئت بإعلانه التنحي ونقل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي، الذي يضم مختلف القوى المنضوية تحت مظلة التحالف العربي.
يومها شعرت بأن صفحة جديدة قد فُتحت، وأن اليمن يقف على أعتاب مرحلة قد تعيد للدولة هيبتها، ولمؤسساتها دورها.
وعندما أُعلن اختيار رشاد العليمي رئيسًا لمجلس القيادة الرئاسي، تضاعف ذلك الأمل. لم أكن من المترددين، بل كنت من أوائل المدافعين عنه. واجهت من كانوا يرونه الحلقة الأضعف داخل المجلس بحجة أن نوابه يملكون القوة العسكرية على الأرض، بينما لا يملك هو سوى تاريخه السياسي. كنت أقول إن الدولة لا تُدار بالبندقية، وإنما تُدار بالحكمة وبالقدرة على جمع المختلفين تحت مظلة القانون.
لم يكن دفاعي عنه طمعًا في منصب أو بحثًا عن مصلحة، بل إيمانًا بأن الرجل قد يحمل مشروعًا يعيد الاعتبار للدولة.
سعيت بكل ما أملك إلى إيصال صورة حقيقية عن واقع مكتب رئاسة الجمهورية، وعملت على إنجاز الأعمال المتراكمة بعد سنوات من الحرب والفوضى، إيمانًا مني بأن المرحلة الجديدة تستحق أن نبذل من أجلها كل جهد.
وزاد يقيني بما ذهبت إليه ما سمعته من المناضل الكبير محمد غالب أحمد، حين وصف رشاد العليمي بأنه رجل دولة، لكنه قال جملة بقيت عالقة في ذهني: "إنه رجل دولة، لكن قد لا يُسمح له أن يعمل بما يريد."
وفي المقابل، سمعت من شخصية أخرى تحذيرًا مختلفًا، مفاده أن تعيين الدكتور يحيى الشعيبي مديرًا لمكتب الرئاسة قد لا ينسجم مع بناء مؤسسة حديثة؛ لأنه لا يزال أسير صراعات الماضي التي عُرفت بالجبهة القومية وجبهة التحرير، وينظر إلى الناس بعقلية التصنيف والإقصاء أكثر من نظره إليهم باعتبارهم موظفين في دولة واحدة.
لم تمضِ أيام حتى بدأت ألمس ذلك بنفسي. بدأت محاولات تعطيل قرارات تخصني وتخص زملائي، والتراجع عن حقوق قائمة بحجة أنه كان ينبغي استكمالها في عهد الإدارة السابقة. عندها بدأ يتسلل إلينا شعور بأن الإدارة الجديدة لا تبني على ما سبق، بل تهدمه لتعيد تشكيل المؤسسة وفق معايير جديدة.
حاولنا، أنا وزملائي، التواصل مع الرئيس رشاد العليمي أو مع المحيطين به، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل. ومع كل باب كان يُغلق، كانت مساحة الثقة تضيق، ويتسع الشرخ بين الموظفين وإدارة المكتب.
ولم يتوقف الأمر عند تعطيل القرارات أو تهميش الموظفين، بل انتقل إلى مرحلة أكثر خطورة، عندما تحولت المؤسسة إلى ساحة تحقيقات ومحاكمات داخلية. فقد شُكلت لجان لاستدعاء الموظفين واحدًا تلو الآخر، في مشهد غير مسبوق داخل مكتب رئاسة الجمهورية. لم تكن هناك قضايا فساد مالي أو تجاوزات وظيفية جسيمة، بل كانت الملاحقات تدور، في معظمها، حول الرأي أو النقد أو إبداء الملاحظات على الأداء الإداري.
وخلال فترة وجيزة، خضع ثمانية من الزملاء، كل على حدة، لتحقيقات ومحاكمات داخلية، في سابقة هي الأخطر في تاريخ مكتب رئاسة الجمهورية، إذ لم يُعرف أن المكتب شهد مثل هذا العدد من الملاحقات الإدارية المتتالية بحق موظفيه. كان المشهد يوحي بأن المطلوب ليس تطوير الأداء، وإنما صناعة مناخ من الخوف، حتى يصبح الصمت هو الوسيلة الوحيدة للبقاء.
وكان الأكثر إيلامًا أن الدكتور يحيى الشعيبي كان يبرر كثيرًا من تلك الإجراءات والقرارات بالقول إنها تُنفذ بتوجيهات من فخامة الرئيس رشاد العليمي. ومع تكرار هذا التبرير، بدأت الثقة التي منحناها للرئيس تتآكل شيئًا فشيئًا، لأن كل ما كنا نتعرض له من إقصاء وتهميش وحرمان كان يُنسب إليه مباشرة.
توقفت طويلًا أمام هذه النقطة.
فإذا كانت تلك الممارسات تصدر فعلًا بتوجيهات من رئيس مجلس القيادة الرئاسي، فإن القضية تتجاوز خلافًا إداريًا لتصبح سؤالًا عن طبيعة المشروع الذي تُدار به مؤسسة الرئاسة والدولة.
أما إذا لم تكن كذلك، فإن الأخطر هو أن اسم رئيس الدولة أصبح يُستخدم لتبرير قرارات وإجراءات لا يعلم بها، وهو أمر لا يقل خطورة على هيبة الدولة وثقة الناس بمؤسساتها.
واليوم، وبعد كل ما جرى، لم يعد السؤال سؤال موظف يبحث عن حقه، بل سؤال كل من آمن بمشروع الدولة.
هل يحمل رشاد العليمي مشروع دولة تتسع لكل أبنائها مهما اختلفت آراؤهم، أم مشروع سلطة يقوم على الإقصاء والاستبدال وفق معيار الولاء؟
وهل كان ما تعرضنا له جزءًا من سياسة مقصودة، أم أن هناك من كان يتحدث باسم الرئيس ويمارس باسمه ما لم يأمر به؟
لقد كنت من أوائل المدافعين عن رشاد العليمي، وواجهت من شككوا في قدرته على قيادة المرحلة، لكن التجربة التي عشتها داخل مكتب رئاسة الجمهورية دفعتني إلى إعادة طرح الأسئلة التي كنت أرفض سماعها من الآخرين.
فالدول لا تُبنى بالخوف، ولا تُدار بمحاكمة أصحاب الرأي، ولا تستعيد هيبتها بإقصاء موظفيها، وإنما تُبنى بالعدل، وسيادة القانون، واحترام الإنسان. وعندما يصبح الرأي تهمة، ويصبح الصمت شرطًا للبقاء، فإن الخاسر الحقيقي ليس الموظف وحده، بل الدولة بأكملها.