ليست هذه المرة الأولى التي يعلن فيها البنك المركزي اليمني في العاصمة المؤقتة عدن عن إصدار أدوات الدين العام (أذون الخزانة) بمستوياتها قصيرة وطويلة الأجل، ولكن الإعلان هذه المرة يحمل دلالات استثنائية؛ إذ تُرسل هذه الخطوة رسائل مبكرة تكشف واقع التوازن المالي الراهن، وحال الخزينة العامة للدولة، خاصة بعد زخم الحديث الحكومي المتكرر حول خطط الإصلاح ومعالجة الاختلالات وسد فجوة الموارد.
من المعروف أن لجوء المصارف المركزية إلى هذا الخيار يأتي لعدة أسباب رئيسية؛ أبرزها: إدارة السياسة النقدية عبر امتصاص فائض السيولة من الأسواق وكبح المضاربات العشوائية بالعملة، أما المسار الآخر فيتمثل في التمويل المباشر لعجز الموازنة، ومساعدة السلطة التنفيذية على الوفاء بالتزاماتها الحتمية وتسيير نفقاتها.
وعند النظر إلى المعطى الأول، نجد أن المشهد النقدي يمر حالياً باستقرار نسبي؛ سواء من حيث تماسك قيمة العملة المحلية، أو من حيث السيطرة على الكتلة النقدية المتداولة التي تمضي بتوازن مقبول مع معروض النقد الأجنبي، وبالتالي فإنه لا توجد حاجة ملحة حالياً لتفعيل تلك الأدوات بغرض التأثير في اتجاهات السياسة النقدية.
هذا الاستقرار النقدي يضعنا مباشرة أمام الفرضية الثانية؛ وهي أن خطوة البنك المركزي لم تكن مناورة اختيارية لضبط إيقاع السوق المصرفي، بقدر ما هي استجابة اضطرارية لضغوط تمويلية خانقة تواجهها الخزينة العامة، مما يثبت استمرار الأزمة البنيوية الحادة في مالية الدولة.
كما تكشف هذه الخطوة في المقابل عن أبعاد أكثر خطورة؛ إذ إن سحب السيولة بعوائد تصل إلى 20% لتوفير الأموال اللازمة لتغطية النفقات الحتمية، يزيح الستار عن حقيقة المآلات الاقتصادية بعد أشهر من إعلان الحكومة بدء حزمة إصلاحات شملت تحرير الدولار الجمركي لمضاعفة الإيرادات ورفع كفاءة التحصيل، وهي مآلات تؤكد اتساع الفجوة القائمة بين النفقات والإيرادات، وتفاقم العجز الناتج عن توقف الصادرات النفطية، وحرمان الدولة من أبرز مواردها المستدامة من النقد الأجنبي.
هذه النسبة المرتفعة للفائدة (20%) تعكس بوضوح حجم المخاطرة وصعوبة الموقف؛ فهي ليست أداة جذب استثمارية اعتيادية للمصارف، بل هي كلفة باهظة ومؤجلة تتحملها الدولة مستقبلاً في سبيل تأمين سيولة عاجلة لالتزامات لا تقبل الإرجاء كالأجور والخدمات الأساسية، مما يثير تساؤلات جوهرية حول مدى جدوى وفاعلية الخطط التقشفية والحزم الإرشادية التي أعلنتها الحكومة سابقاً.
لقد تردد صدى تلك الإصلاحات بشكل واسع في وسائل الإعلام خلال الأيام الأخيرة، وكنا ننتظر من الجهات المعنية أن تخرج ببيانات دورية توضح مسارات التقييم المالي، ونسبة تقلص العجز، وحجم النمو في الإيرادات غير النفطية، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، وظل الموقف الاقتصادي محاطاً بالغموض والضبابية.
وأمام ضعف الأرقام وغياب الشفافية، باتت الأوساط الاقتصادية تبحث عن المؤشرات الحقيقية من خلال السلوك الفعلي للمؤسسات السيادية؛ وجاء تحرك البنك المركزي الأخير ليُفصح عن بقاء المأزق المالي في ذروته دون تحقيق أي تقدم ملموس في ملف الاختلالات الهيكلية.
إن الاعتماد المستمر على الحلول الإسعافية قصيرة الأجل وقروض العوائد المرتفعة لمواجهة الاختناقات الراهنة، دون إيجاد رافعات حقيقية لإنعاش الصادرات السيادية وإعادة ضبط الأوعية الإيرادية، لن يؤدي إلا إلى ترحيل الأزمة وتعميق كلفة الدين مستقبلاً.
وما تحتاجه البلاد في الوقت الراهن، هو انتقال حكومي جاد من مربع إدارة العجز والأزمات الممتدة، إلى مرحلة الإصلاح الهيكلي المستدام الذي يضع حداً لهذه المعضلات المزمنة.
*يمن شباب نت