لا تضحك عندما يخبرك يمنيٌ أنه يحلم. فالذي يعيش فوق أرضٍ تتبدل فيها الأحوال أسرع من الفصول، ثم يُصرّ على أن يرسم غدًا أجمل، ليس ساذجًا، بل عنيدٌ إلى درجة البطولة.
في اليمن، للطموح تعريفٌ مختلف.
في أماكن أخرى، يحلم الناس بأن يصبحوا أثرياء، أو يؤسسوا شركات، أو يسافروا حول العالم.
أما اليمني، فيبدأ حلمه بأن يعيش يومًا كاملًا دون أن يغيّر خططه عشر مرات.
ومع ذلك، يواصل الحلم.
وهنا تكمن الحكاية.
هذا الإنسان العجيب، الذي كلما ضاقت به الحياة، وسّع خياله، وكلما أُغلقت في وجهه الأبواب، اخترع بابًا من الأمل، وكأن الله وضع في قلبه شيئًا لا تعرفه بقية الشعوب؛ قدرةً نادرة على الوقوف بعد كل سقوط، والابتسام بعد كل خيبة.
إنه الشعب الذي يتعامل مع المستحيل كما يتعامل غيره مع المواعيد اليومية.
يقول: "إن شاء الله"، ثم يبدأ العمل، وكأنه وقّع عقدًا مع المستقبل، لا مع الظروف.
ولهذا، لا تستغرب عندما تجد شابًا لا يملك رأس مال، لكنه يتحدث عن مشروع سيغيّر السوق.
ولا تتعجب من طالبٍ يدرس على ضوء هاتفه، ثم يحدثك بثقة عن الدكتوراه.
ولا تندهش من أبٍ أنهكته الحياة، لكنه ما زال يعد أبناءه بغدٍ أجمل، وكأنه يراه بعينيه.
قد يظن البعض أن هذا مبالغة.
لكن الحقيقة أن اليمني لا يملك ترف اليأس. فاليائس يموت مرةً واحدة.
أما الطامح، فيموت ألف مرة، ثم يستيقظ في الصباح ليبدأ من جديد.
ولهذا، فإن أكثر ما يثير الدهشة في اليمن ليس الحر، ولا الفقر،
ولا الأزمات، بل ذلك الإنسان الذي يخرج من بين كل هذا الركام، ينفض الغبار عن كتفيه، ثم يقول بكل بساطة:
"عندي فكرة."
أيُّ شعبٍ هذا الذي كلما حاول الواقع أن يكسر أحلامه، ردّ عليه بحلمٍ أكبر؟
أيُّ قلبٍ هذا الذي ما زال يجد مكانًا للأمل، بينما كل شيء حوله يدعوه إلى الاستسلام؟
لهذا...
إذا سمعت يمنيًا يتحدث عن طموحاته، فلا تبتسم ساخرًا.
قف احترامًا.
فربما كان يحمل في رأسه مشروعًا أكبر من واقعه، وفي قلبه وطنًا أكبر من جراحه، وفي روحه يقينًا بأن الأيام، مهما طالت، لا بد أن تنحني أمام من يرفض الانحناء.