إن الحقيقة الصادمة التي يجب أن تُقال اليوم بلا مواربة، هي أن ميليشيا الحوثي لم تكن لتحكم شبراً واحداً من أرض اليمن الطاهرة لولا حالة التشرذم المقيت والانقسام المخزي الذي ينهش جسد المعسكر المناهض لها...
إن هذه الجماعة السلالية لا تملك قوة ذاتية، بل هي نبتة طفيلية تتغذى على تشتتنا؛ وتوحدنا يعني —ببساطة وبحتمية التاريخ— نهايتها الحتمية ونهاية مشروعها إلى الأبد.
واليوم، يمر المشهد اليمني بمنعطف مصيري كشف العبث الحوثي من جهة، وأيقظ مارد القبيلة من جهة أخرى، مما يضع الشرعية أمام فرصة تاريخية سانحة لقلب الطاولة، إذا ما أحسنوا قراءة الميدان وتجاوزوا بلادة الحسابات الضيقة.
( أولاً ) : مسرحية الأجنحة الثلاثة.. أدوات الخديعة الحوثية:المتأمل في الماكينة الإعلامية الحوثية هذه الأيام، يلحظ بوضوح أنها تدير مسرحية هزلية مدروسة لتوزيع الأدوار، تنقسم فيها أدواتهم إلى ثلاثة أجنحة مكشوفة الأهداف:
جناح "الخديعة الناعمة" (أقنعة الصف الأول): يطلون بخطاب معسول ومخادع حول "المصالحة الوطنية" ونبذ الفرقة. هذه ليست سماحة، بل هي "تقية سياسية" ومناورة بليدة لامتصاص الصدمات، وتنويم الخصوم، ومحاولة لشرعنة اغتصابهم للدولة عبر بوابة سلام وهمي.
جناح "الهذيان الأجوف" (أبواق الصفوف الخلفية): جوقة من الإعلاميين والهتافين يمارسون استعراضاً صوتياً عابراً للقارات؛ يهددون بتدمير عواصم العالم وخوض حرب عالمية كبرى، لغاية واحدة: إرعاب الداخل اليمني، وصم أي تحرك وطني لاستعادة الكرامة بأنه "أجندة خارجية وصهيونية".
جناح "الحرب النفسية" (مطابخ التسريب والطابور الخامس): يبثون سموم الشائعات حول قرب التوقيع على "خارطة طريق" وتفاهمات جاهزة، بهدف كسر الإرادة الوطنية، وزرع اليقين بالهزيمة، وتهيئة النفوس للاستسلام، مستغلين حالة الإحباط وضعف الوعي.
الحقيقة الميدانية العارية: كل هذه الأجنحة تمارس دجلاً ممنهجاً للتغطية على حقيقة واحدة: هم يحشدون بكل قوتهم للحرب، لكنهم في ذات الوقت يعيشون حالة من الهلع والرعب غير المسبوق؛ لأنهم يعلمون أن عروشهم الورقية لن تحتمل هبة سبئية واحدة إذا ما توحدت الصفوف.
( ثانياً ): زلزال "الريان".. بن فدغم يكتب بدمه بيان الحقيقة :بينما تغرق النخب السياسية في مناكفاتها، جاءت الحقيقة الميدانية الصارخة من محافظة الجوف لتهز أركان الوهم الحوثي وتفضح طبيعته الإجرامية.
وصول الشيخ القبلي البارز حمد بن راشد بن فدغم الحزمي إلى منطقة "الريان"، عائداً من غياهب سجون الحوثي في صنعاء، لم يكن مجرد نجاة لأسير، بل كان وثيقة إدانة حية وشهادة دامغة تفضح مسالخ المليشيا البشرية:
أقبية الموت البطيء: خرج الشيخ مثقلاً بالمرض بعد منعه من العلاج عمداً؛ وهي سياسة تصفية ممنهجة وتوتير تعذيب مكتمل الأركان يُراد منه سحق إنسانية الرموز الوطنية وكسر كبريائهم.
مقصلة "التبصيم" القسري: حيث تدير المليشيا "مصنعاً للاعترافات المعلبة" تحت التهديد بالموت في العتمة، لتبرير طغيانها وإخراس كل صوت حر يرفض خرافة "الولاية".
السقوط في مستنقع العار (اختطاف النساء):
إن أبشع ما كشفته مأساة الشيخ هو اختطاف المليشيا لربيعته "ميرا" التي استنجدت به في نقطة الحتارش هرباً من بطشهم. حين تصبح المرأة اليمنية ورقة ضغط ورهينة للمساومة، فاعلم أن هذه الجماعة قد انسلخت من مروءة العرب وأخلاق اليمنيين، وارتكبت "العيب الأسود" الذي لا يسقط بالتقادم.
( ثالثاً ): صرخة "بن فدغم".. نذير العاصفة القبَلية:
في العرف اليمني الأصيل، حين يعمد شيخ بحجم بن فدغم إلى "كسر جَفْل الجنبية" أمام الملأ، فاعلم أن لغة الكلام قد استُنفدت، وأن الصبر قد نُحر على مذبح الكرامة.
إن إقدام الشيخ على هذا الفعل ليس فلكلوراً عابراً، بل هو في عمق العرف "إنذار دم" وصرخة استنفار قصوى. الرسالة تتجاوز الفرد؛ إنها نداء لقبائل دهم، والمرازيق، وبني نوف، ولكل قبائل اليمن وأحرارها: الحوثي لم يعتدِ على شخص، بل داس على عِرض قبيلة، واغتال عُرفاً متجذراً، وانتهك كرامة أمة.
لقد انتفضت القبائل في الجوف ومأرب، واستيقظ مارد الثأر للكرامة، وتلاشت هيبة الحوثي الزائفة؛ فالقبيلة اليمنية اليوم في أعلى درجات غليانها وجاهزيتها لغسل هذا العار المليشياوي.
( رابعاً ): الخيار الأخير أمام الشرعية.. فرصة الخلاص السانحة
أمام هذا الغليان القبلي غير المسبوق، والتآكل الأخلاقي والسياسي للمليشيا، يقف معسكر "الشرعية" اليوم (مجلس القيادة الرئاسي، ورئاسة الحكومة) أمام مرآة المسؤولية التاريخية. لم يعد هناك مجال للمساحات الرمادية أو الانتظار البليد، وأمام المكونات خياران لا ثالث لهما:
الخيار الأول: التسامي، واستغلال الزخم، والزحف نحو صنعاء
أن تلتقط الشرعية هذه الفرصة الذهبية، وتتوحد البنادق والقلوب، وتُدفن الخلافات البينية المفتعلة، وتتحرك ككتلة صلبة بالتلاحم مع القبائل المنتفضة نحو العاصمة المختطفة صنعاء لقطع ذراع المشروع الإيراني. هذا هو المفتاح الحقيقي والوحيد لتفكيك الأزمات الاقتصادية والسياسية، والسبيل لانتزاع احترام العالم، وإعادة بناء دولة المؤسسات.
الخيار الثاني: الاستسلام الانتحاري والتآكل من الداخل :
أن تستمر هذه المكونات في صراعاتها الديكية العبثية، تغذيها الأنانية السياسية والانهيار الاقتصادي، مما سيؤدي حتماً إلى خيانة دماء الشهداء وتضحيات الأبطال كأمثال بن فدغم، وتلاشي الشرعية كلياً من المشهد، وتحول البلاد إلى كانتونات متناحرة تذروها الرياح.
على قادة المكونات في مجلس القيادة الرئاسي والحكومة أن يخلعوا عباءة العجز ويُحسنوا الاختيار؛ فالفرصة سانحة، والقبائل حركت ركود الميدان، والتاريخ لا يرحم الواقفين على رصيف الانتظار.
إن لم تنفروا الآن وتلتحموا بصرخة الكرامة القبَلية، فمتى تنفرون؟
إن التخلي عن المستجير عيب أسود، وقد أثبتت الحوادث أن الحوثي هو "عيب اليمن الأكبر" الذي يجب تطهير البلاد منه.
" والله غالبٌ على أمره"
مكتب رئاسة الجمهورية Office of the Presidency of the Republic of Yemen
مجلس القيادة الرئاسي اليمني Yemeni Presidential Leadership Council
رئاسة مجلس الوزراء اليمني