"وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا " هذه الاية مرعبة حد الهلع للأنظمة الحاكمة لكن لا أحد يريد ان يفهم
يعلم الله اني اكتب هذا المقال كرسالة للمجلس الانتقالي وبقاياه ومن سيأتي بعده وللحوثيين ولمن سيأتي بعدهم ولنظام الدولة عامة ، اعرف ما اقول ، واعرف ان هناك من يؤمن بما أقدمه ، وعليه :
القرية في المفهوم المعرفي ليست مجرد تجمع سكني ريفي قديم، بل هي كل نظام حكم صاحب صوت واحد؛ مجتمع مغلق يصادر التعددية، ولهذا انت تسمع عن
" قرية سياحية " "وقرية صناعية" يعني انه لا يسمح بأي نشاط اخر خارج هويتها ابدا
ومن هنا يأتي اسم القرية في القران هي النظام الاجتماعي الذي يقمع الاختلاف، ويفرض لوناً سياسياً أو فكرياً او دينيا أو أيديولوجياً واحداً على الجميع.
هذا النمط من الأنظمة الأحادية يحمل بذور فنائه في داخله، لأن الكون لا يحتمل التطابق، والاختلاف هو عصب الحياة ووقود استمرارها، وحين تقرر السلطة سحق التنوع فإنها توثق وثيقة إعدامها بيدها
هنا فقط يموت الإبداع ويتراكم العفن السياسي وتظهر دائر المحسوبية والمتملقين والمقربين ، ليكون الهلاك حتمية تاريخية وسنة كونية لا مفر منها. وفي المقابل تماماً، انظروا إلى دول كـ سويسرا وشمال أوروبا؛ كيف تنعم بعقود من الاستقرار والازدهار لأنها جعلت التعددية وحرية التعبير مصدر قوتها المؤسسية، واختارت أفق "المدينة" التي تتسع للجميع فلا تنفجر من الداخل أبداً.
تأملوا تاريخ عدن، المدينة التي ما نمت وازدهرت إلا بانفتاحها في عهد البريطانيين كيف خُنقت في العهد الاشتراكي تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت الحزب"، فكانت النتيجة صراعات دموية مريرة بين الرفاق انتهت بابتلاع الدولة وتدميرها.
المجلس الانتقالي وبقاياه في عدن والجنوب سقط في الفخ ذاته؛ يضيق بالرأي الآخر ، ويصهر المجتمع في قالب واحد معتبراً النقد خيانة ، وهو بذلك لا يبني دولة، بل يعيد إنتاج ذات "القرية" البائدة التي تسير حتماً إلى ذات المصير.
وفي صنعاء والشمال، تبلغ الأحادية أبشع تجلياتها مع جماعة الحوثي، التي تفرض صوتاً سلالياً ودينياً متحجراً يلغي الشركاء، ويعتبر الاختلاف كفراً بالمسيرة.
هذا الكيان الشمولي الذي يقتات على الترهيب يحمل بذور فنائه في أحشائه، لأنه يصادم الفطرة ومشيئة الله القائل: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين.
هذا الناموس جرى قبلها على الاتحاد السوفيتي؛ القوة النووية المرعبة التي لم تسقطها قنبلة خارجية، بل انهار كبيت من الورق لأنه كان "قرية" عظمى خنقتها الأحادية وصودر فيها العقل، فتآكلت وسقطت بغتة تحت ثقل جمودها.
إن القرآن الكريم يقرر هذا القانون السوسيولوجي بصرامة صادمة:" وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا. "
فالهلاك هنا هو النتيجة التلقائية لطغيان السلطة الأحادية المستبدة: " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا "
والفسق هنا هو الاستبداد ومصادرة حريات الناس وممارسة الجرائم تحت عبائة نفوذ السلطة والقوة وتحويل الناس إلى قطيع يساق بصوت واحد ، لتكون النتيجة كما لخصها الله: فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون
على اليمنيين في عدن وصنعاء أن يستفيقوا من وهم القوة القائمة على قمع الآخر؛ فالخلاص لن يأتي باستبدال جلاد بجلاد، بل بالتحول الشجاع من عقلية "القرية" الأحادية، إلى أفق "المدينة" التعددية المدنية التي تحمي الاختلاف تحت سيادة القانون.
من صفحة الكاتب على موقع فيس بوك