معلش لو كان طويلا فهذا المقال لا يُقرأ بالتمرير بل يُقرأ بالتوقف.
كل سطر فيه يستحق أن تجلس معه لحظة قبل أن تنتقل للذي بعده.
لأن ما ستقرأه ليس معلومة تحفظها بل مرآة. والمرايا تحتاج هدوءا لترى فيها ما تريد أن تخفيه حتى عن نفسك. خذ نفسا. واقرأ.
كان موسى عليه السلام واقفا في الوادي المقدس، يحمل عصاه التي رافقته عمره كله. سأله ربه سؤالا غريبا في ظاهره: "وما تلك بيمينك يا موسى؟"
والأغرب أن موسى لم يقل فقط "عصا" بل راح يعدد: أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى.
كأنه كان يتعلق بها وهو يصفها.
ثم جاء الأمر: ألقها.
فألقاها فإذا هي حية تسعى.
كل إنسان يحمل عصاه الخاصة.
بعضنا عصاه علاقة لا تصلح منذ سنوات، لكنه يتوكأ عليها لأن الفراغ من بعدها يبدو مرعبا.
بعضنا عصاه صورة معينة عن نفسه: "أنا الشخص الذي لا يطلب مساعدة"، أو "أنا الشخص الذي يتحمل كل شيء وحده."
بعضنا عصاه حزن قديم. يحمله لأن الحزن أصبح هويته لو رحل الألم، من يكون؟
بعضنا عصاه نجاح قديم يتكئ عليه بدل أن يبني جديدا. أو فكرة ثابتة عن العالم تريحه من عناء التساؤل.
والعصا لا تكون دائما شيئا سيئا في ظاهره أحيانا هي فضيلة مبالغ فيها، أو قوة تحولت إلى قيد.
علم النفس يقول نفس الشيء 🤷🏻♂️
في علم النفس، ما يسميه موسى "عصاه" يسميه المعالجون النفسيون آليات الدفاع وهي ليست بالضرورة أشياء سيئة.
الإنسان طورها ليحمي نفسه في لحظة ما، لكنها تبقى معه حتى بعد انتهاء الخطر، فتصبح سجنا.
الطفل الذي تعلم أن لا يطلب شيئا لأن طلبه كان يقابل بالرفض يكبر ليصبح إنسانا "مستقلا جدا"، يفخر بأنه لا يحتاج أحدا، وهو في الحقيقة محتاج لكنه خائف.
الإنسان الذي نجا من صدمة بالسيطرة على كل شيء يصبح شخصا قلقا يتحكم في التفاصيل الصغيرة، لأن الفوضى تذكره بالخطر القديم. او كما يقول المثل المصري
"اللي اتلسعةمن الشوربة ينفخ بالزبادي "
العصا كانت حلا ذكيا في وقته - المشكلة أنها بقيت.
ثلاث جمل فقط.
قال ألقها.
فألقاها.
فإذا هي حية تسعى.
لو قرأتها بسرعة تظن أنها مجرد وصف لحدث. لكن حين تقف عند كل كلمة تجد أن هذه الآيات هي خارطة كاملة للتحرر الإنساني.
كل كلمة في مكانها. كل جملة تبني على التي قبلها. وبينهما مسافات صامتة فيها كل شيء.
أول شيء: قال ألقها
لم يقل "فكر في إلقائها."
لم يقل "إذا أردت فألقها."
لم يقل "ستكون النتيجة كذا إن ألقيتها."
قال: ألقها.
أمر مباشر. لا مفاوضة. لا شرح مسبق. لا ضمانات.
وهذا يكشف شيئا عميقا عن طبيعة التحرر الحقيقي التحرر لا يأتي بعد أن تفهم كل شيء. لا يأتي حين تشعر بالاستعداد. لا يأتي حين تختفي المخاوف. يأتي حين تلقي قبل أن تعرف ما الذي سيحدث بعدها.
الإلقاء الحقيقي هو أن تترك الشيء وأنت لا تعرف ماذا ستجد بدونه.
ثاني شيء: فألقاها
الفاء هنا ليست مجرد حرف ربط.
الفاء في اللغة العربية تعني التعقيب أي أن ما بعدها جاء مباشرة وبلا تأخير.
قال ألقها فألقاها.
لم يتردد. لم يسأل. لم يفاوض. لم يقل "لكن هذه العصا معي منذ سنوات." لم يقل "أعطني وقتا."
فألقاها.
وهذا هو الفارق بين من يتحرر ومن يبقى يفكر في التحرر طول عمره.
كلنا نعرف ما الذي يجب أن نتركه. كلنا وصلنا في لحظة ما لنقطة قلنا فيها "هذا لا يصلح." لكن بين "أعرف أن هذا يجب أن يتغير" وبين "فألقاها" هناك مسافة يقضي فيها بعض الناس عمرا . موسى لم يقضها. فألقاها.
فإذا هي حية تسعى.
لم تمت. لم يندم موسى.
تحولت.
العصا التي كان يتوكأ عليها أصبحت قوة حية متحركة.
لم يعد يتكئ عليها أصبح يوجهها.
هذا هو جوهر التحول النفسي: ما كان قيدا يمكن أن يصبح هبة، حين نواجهه بدل أن نختبئ خلفه.
الإنسان الذي عاش صدمة وآمن أنها أضعفته حين يواجهها ويعالجها، يكتشف أنه أكثر قدرة على الشفقة والتواصل مع الآخرين مما كان قبلها. الألم تحول.
ثم جاء ما لم يتوقعه أحد
قال خذها ولا تخف.
لاحظ الأمر الأول كان "ألقها." الأمر الثاني "خذها."
وبينهما: موسى فر.
القرآن في سورة أخرى يقول "ولى مدبرا ولم يعقب." فر من نتيجة قراره. ألقى العصا بثقة، ثم حين رأى ما صارت إليه هرب.
وهذا صادق جدا في وصف التجربة الإنسانية.
تأخذ القرار الصحيح. ثم ترى نتيجته وتهرب. تترك العلاقة الخاطئة. ثم تجد نفسك وحيدا وتريد العودة.
تقول الحقيقة أخيرا. ثم ترى وجه الآخر وتريد أن تتراجع.
تضع حدا مع شخص. ثم يأتي الذنب ويريدك أن تعتذر.
لم يعقب. لم يلتفت. لكنه فر.
خذها لا تخف
حين قال الله "خذها" لم يقل "عد إليها كما كانت."
"خذها" فعل مختلف عن "امسكها."
امسك تعني ما كان. خذ تعني البداية من جديد. بوعي مختلف. بعلاقة مختلفة مع نفس الشيء.
العصا هي نفسها. لكن موسى الذي أمسكها بعد ذلك ليس نفس موسى من قبل
الذي يمسكها الآن واجه خوفه. ألقى ما خاف أن يلقيه. رأى ما حدث. وعاد ليمسك لكن من موقع مختلف تماما.