آخر تحديث :السبت-20 يونيو 2026-10:06م

الجامعة والذاكرة أو حضور الغياب.. صورة

السبت - 20 يونيو 2026 - الساعة 08:47 م

د. قاسم المحبشي
بقلم: د. قاسم المحبشي
- ارشيف الكاتب


( اعْصِ الهَوَى، وأَطِعْ مَن شِئْتَ) الكندي


ليس ثمة ما يثير الحيرة في النفس الإنسانية مثل الأشياء التي نعيش داخلها وتعيش داخلنا كل يوم دون أن نستطيع رؤيتها مباشرة. نحن نرى الأشجار ولا نرى الحياة التي تسري في عروقها، نرى الوجوه ولا نرى الذكريات المختبئة خلفها، ونرى المباني والطرقات والقاعات ولا نرى المعنى الذي يجعل من هذه الأشياء كياناً واحداً نابضاً بالحياة. وربما لهذا السبب ظل سؤال العقل من أكثر الأسئلة الفلسفية استعصاءً على الإدراك المباشر.


أتذكر حكاية قديمة عن طفل سأل والده ذات صباح: ما هو العقل يا أبي؟ أريد أن أراه. بدا السؤال بسيطاً لكنه أربك الأب. فالعقل ليس شيئاً يمكن الإشارة إليه بالإصبع كما نشير إلى شجرة أو منزل أو كتاب. وبعد تفكير طويل اصطحب الأب ابنه إلى الجامعة. طافا بين الكليات والقاعات والمختبرات والمكتبات والساحات، وشاهدا الطلاب والأساتذة والإداريين والعمال، ثم سأله في نهاية الجولة: هل رأيت الجامعة؟ فأجابه الطفل: لم أرها، لقد رأيت مباني كثيرة وأشخاصاً كثيرين وأشياء كثيرة، لكنني لم أر الجامعة نفسها.


ابتسم الأب وقال: الجامعة هي كل ما رأيت.


منذ سنوات طويلة ما زلت أستعيد تلك الحكاية كلما فكرت في العقل أو الذاكرة أو حتى في معنى الإنسان نفسه. فهناك أشياء لا يمكن رؤيتها منفصلة عن أجزائها، لأنها ليست شيئاً إضافياً فوق تلك الأجزاء، بل هي نمط العلاقة التي تجمعها معاً. العقل ليس الدماغ وحده، ولا الخلايا العصبية وحدها، ولا الذاكرة أو اللغة أو الخيال أو الأحلام منفردة، بل هو الحصيلة الكلية لهذا التفاعل المعقد. وكما أن الجامعة أكبر من مجموع مبانيها ومكتباتها وطلابها وأساتذتها، فإن العقل أكبر من مجموع أجزائه.


ولعل هذا ما جعلني أفكر دائماً في المكتبة بوصفها ذاكرة العقل، كما أفكر في الذاكرة بوصفها مكتبة الروح.


فالإنسان بلا ذاكرة يشبه جامعة بلا مكتبة. قد تبقى المباني قائمة، وقد تستمر الحركة في الممرات والقاعات، لكن شيئاً جوهرياً يكون قد غادر المكان. إن المكتبة ليست مجرد رفوف للكتب، بل هي الوعاء الذي تحفظ فيه الجماعة خبرتها المتراكمة عبر الزمن. إنها الشكل المادي للذاكرة الإنسانية.


ولهذا السبب شعرت بشيء من الحنين العميق وأنا أتجول ذات صباح في أروقة المكتبة المركزية بجامعة عدن. لم أكن أزور مبنى عادياً، بل كنت أزور جزءاً من ذاكرتي الشخصية. هناك بين القاعات والرفوف والممرات كانت صور سنوات كاملة تعود إليّ من غيابها الطويل. وجوه أساتذة رحلوا، وأصدقاء تفرقت بهم السبل، وكتب قضيت معها أجمل ساعات العمر، وأحلام صغيرة كانت تبدو آنذاك بحجم العالم كله.


كانت الحرب قد مرت على المدينة كما تمر العواصف على البساتين، تاركة آثارها على البشر والحجر. ولذلك كان أول ما سألته لمديرة المكتبة: هل نجت المكتبة؟


وحين أجابتني بأنها سلمت من النهب والتخريب، شعرت براحة داخلية لا أستطيع وصفها. ربما لأنني كنت أرى في سلامة المكتبة شيئاً يشبه سلامة الذاكرة نفسها. فالمكتبات ليست مخازن للكتب فقط، بل مستودعات للزمن. إنها تحفظ ما يتعرض في العادة للاندثار والنسيان.


وأنا أتجول في القاعات الهادئة تذكرت حقيقة بسيطة كثيراً ما نغفل عنها: أن الصورة والذاكرة تنتميان إلى العائلة الوجودية نفسها. كلاهما يحاول مقاومة الفناء. الصورة تحتفظ بالشكل، والذاكرة تحتفظ بالمعنى. الصورة توقف لحظة من الزمن، والذاكرة تعيد إحياءها كلما استدعيناها.


وحين رأيت الأجنحة المخصصة للمكتبات الشخصية التي أهداها ذوي أصحابها للجامعة بعد رحيلهم، شعرت بأنني لا أتجول بين الكتب فقط، بل بين حيوات كاملة ما زالت تقاوم الغياب. كانت أسماء الأساتذة الراحلين معلقة فوق رفوف الكتب كما لو أنها ترفض مغادرة المكان. أجسادهم رحلت، لكن آثارهم ما زالت حاضرة في تلك الكتب التي تركوا هوامشهم على صفحاتها، وفي الأفكار التي أودعوها بين السطور.


هنا تحديداً أدركت أن الذاكرة ليست استعادة للماضي فحسب، بل شكل من أشكال الحضور.


فالإنسان يغيب مرتين: مرة حين يرحل جسده، ومرة حين يُنسى. وما دام هناك من يتذكره، فإنه يظل حاضراً بطريقة ما.أحياناً أتساءل: كيف تستطيع الذاكرة الاحتفاظ ببعض الوجوه كل هذه السنوات بينما تمحو وجوهاً أخرى عشنا معها زمناً أطول؟ربما لأن بعض الأشخاص يتحولون في وعينا إلى رموز. إنهم لا يبقون مجرد أفراد، بل يصبحون جزءاً من تكويننا الفكري والروحي.


أتذكر ذلك اليوم البعيد حين كنت أجلس تحت شجرة كلية التربية الوارفة الظلال مع زميلة جميلة العينين، وكان الحديث معها أكثر إغراءً من أي محاضرة أكاديمية. فجأة ظهر الأستاذ الدكتور نمير متجهاً نحو القاعة. وقفت بين إغراء البقاء وإلحاح الواجب. كان القلب يدعوني إلى الجلوس مع الزميلة الجميلة ، بينما كانت صورة أبي وأمي اللذين أرسلاني للدراسة الجامعية تحضر بقوة في ذهني. الحت عليا بالبقاء للتعارف ولكنني بحافز لا شعوري نهضت ومضيت إلى المحاضرة.فضلا عن تأثري بحكمة فيلسوف العرب الاول الكندي التي كنت أرددها دائما في شبابي ( اعْصِ الهَوَى، وأَطِعْ مَن شِئْتَ) كتبتها في جدار غرفتي فوق سريري.


ربما كان ذلك قراراً بسيطاً في ظاهره، لكنه تحول مع الزمن إلى صورة رمزية لصراع أكبر بين الرغبة والمسؤولية، بين اللحظة العابرة والمستقبل البعيد. مثل هذه الوقائع الصغيرة هي التي تصنع ذاكرتنا الحقيقية وربما كان هذا القرار الحكيم سببا لنجاحي الأكاديمي وحصولي على المركز الأول في دفعتي بمرتبة الشرف ونيلي جائزة التفوق العلمي في عيد العلم ب جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي كانت في عدن عام 1988م وساعة سيكو سويسرية من رئيس الجمهورية التي كانت هناك🌎


فالذاكرة لا تحفظ الأحداث الكبرى فقط، بل تحفظ أيضاً التفاصيل التي تبدو هامشية ساعة وقوعها. نظرة عابرة، طريقاً اعتدنا السير فيه، كتاباً قرأناه في لحظة مناسبة، أو محاضرة غيرت طريقة تفكيرنا إلى الأبد.


وحين وصلتني رسالة الأستاذ الدكتور نمير العاني بعد سنوات طويلة من الانقطاع، شعرت أن الزمن قد التف حول نفسه وعاد إلى نقطة البداية. كانت الكلمات القادمة من مدينة سان بطرسبورغ البعيدة تحمل معها رائحة قاعات الدرس القديمة، وضجيج النقاشات الفكرية، وأحلام الشباب التي كنا نعيشها في ثمانينيات القرن الماضي.


وفي تلك اللحظة فهمت أن الذاكرة لا تعمل كأرشيف جامد، بل ككائن حي يعيد ترتيب الماضي باستمرار. إننا لا نتذكر الأشياء كما حدثت فعلاً، بل كما أصبحت تعيش داخلنا الآن.


ولهذا كانت صورة الصديق عمر عباد حاضرة أيضاً بكل تفاصيلها. منزل الشيخ عثمان، أمسيات الشعر، قصائد محمود درويش، وأغاني مارسيل خليفة، والنقاشات التي كانت تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل. لم تكن تلك اللقاءات مجرد تسلية شبابية، بل كانت مختبراً لتشكيل وعينا الفكري.


هناك تعلمنا أن الفكر ليس معلومات تحفظ، بل حوار مستمر مع الذات والعالم.


ومن رحم تلك اللقاءات ولدت أول جمعية فلسفية عرفناها. كنا نلتقي كل أسبوع لمناقشة كتاب أو فكرة أو قضية عامة. لم تكن لدينا إمكانات كبيرة، لكن كان لدينا ما هو أهم: الشغف.


واليوم، بعد كل هذه السنوات، تبدو تلك الأمسيات كصور قديمة معلقة على جدار الذاكرة. لكنها ليست صوراً ميتة. إنها ما تزال تؤثر فينا وتعيد تشكيل فهمنا لأنفسنا.


إن الصورة الحقيقية ليست تلك التي تلتقطها الكاميرا، بل تلك التي تلتقطها الروح.


الكاميرا تحفظ الملامح، أما الذاكرة فتحفظ المعنى.


ولهذا فإن أجمل ما في الذاكرة أنها تمنح الغائبين قدرة غامضة على البقاء. فالأصدقاء الذين رحلوا، والأساتذة الذين غادروا، والأماكن التي تغيرت، لا تختفي تماماً. إنها تستمر في العيش داخلنا بوصفها صوراً متحركة لا تتوقف.


وحين نتقدم في العمر نكتشف أن حياتنا ليست سوى أرشيف هائل من الصور والذكريات. بعض هذه الصور يبهت مع الزمن، وبعضها يزداد وضوحاً كلما ابتعدنا عنه.


وربما لهذا السبب لا يكون الحنين مجرد اشتياق إلى الماضي، بل محاولة لفهم الحاضر من خلاله.


فالذاكرة ليست سجناً للزمن المنقضي، بل الجسر الذي يربط ما كنا عليه بما أصبحنا عليه.


وهكذا تبدو الجامعة، والمكتبة، والصداقة، والأستاذ، والكتاب، والصورة، والذاكرة، حلقات في سلسلة واحدة. كلها أشكال مختلفة لمقاومة الغياب. كلها محاولات إنسانية للإبقاء على شيء من المعنى في مواجهة النسيان.


ولعل أجمل ما تمنحه لنا الذاكرة أنها تعلمنا أن الغياب ليس نقيض الحضور دائماً. فبعض الغائبين أكثر حضوراً من كثير من الحاضرين. وبعض الصور تبقى حية في القلب رغم مرور العقود. وبعض الأماكن تواصل العيش في أرواحنا حتى بعد أن تتغير ملامحها أو تختفي من الوجود.


لهذا فإن الصورة ليست مجرد أثر بصري، والذاكرة ليست مجرد وظيفة عقلية. إنهما معاً الصيغة التي يبتكرها الإنسان لكي يتحدى الزمن. وحين نعجز عن إيقاف الزمن، نحاول على الأقل أن نمنح الغياب شكلاً من أشكال الحضور. وربما كانت هذه هي المهمة الأعمق للذاكرة: أن تجعل ما مضى قابلاً للحياة مرة أخرى، وأن تحول الغياب إلى حضور مستمر في القلب والوجدان.