آخر تحديث :الخميس-11 يونيو 2026-01:24ص

خطاب الولاية بين التعبئة الدينية وتغييب أسئلة اليمنيين

الخميس - 11 يونيو 2026 - الساعة 12:53 ص

ناصر الحميري
بقلم: ناصر الحميري
- ارشيف الكاتب


في كلمته الطويلة بمناسبة ما يسميه الحوثيون “يوم الولاية”، قدّم عبدالملك الحوثي خطاباً مكثفاً يجمع بين النص الديني والتعبئة السياسية، ويعيد إنتاج السردية ذاتها التي تقوم على تقسيم العالم إلى معسكرين: معسكر “الولاية” كما يعرّفها هو، ومعسكر “الطاغوت” الذي يضم كل من يخالف هذا التصور أو لا ينخرط في مشروعه السياسي.

المشكلة في هذا الخطاب لا تكمن في الحديث عن مناسبة دينية، ولا في إدانة الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، ولا في رفض السياسات الأمريكية في المنطقة؛ فهذه قضايا يمكن النقاش حولها سياسياً وأخلاقياً. المشكلة الحقيقية تكمن في تحويل المناسبة الدينية إلى أداة سياسية، واستخدام المفاهيم الدينية الكبرى لتثبيت مشروع جماعة حاكمة بقوة السلاح، بحيث يصبح الاختلاف معها وكأنه خروج عن المسار الإيماني أو وقوع في “ولاية الطاغوت”.

الكلمة، رغم طولها الذي يقارب ساعة ونصف، لم تقدم جديداً حقيقياً بقدر ما أعادت إنتاج خطاب تعبوي متكرر: اليهود والنصارى، أمريكا وإسرائيل، الطاغوت، الخيانة، النفاق، الاستعباد، والإذلال. هذه المفردات حضرت بكثافة، لكنها لم تجب عن الأسئلة اليومية التي يعيشها اليمنيون تحت سلطة الجماعة: أين الرواتب؟ أين الخدمات؟ أين العدالة؟ أين التعليم؟ أين حرية الناس وكرامتهم؟ وأين الدولة التي يفترض أن تحمي المواطن لا أن تثقل كاهله بالجبايات والشعارات؟

يحرص الخطاب الحوثي دائماً على تحميل الخارج مسؤولية كل الأزمات، وكأن الداخل بلا أخطاء، وكأن الجماعة التي تسيطر على مؤسسات الدولة لا تتحمل أي مسؤولية عن الفقر، والقمع، والانقسام، وتدهور مؤسسات التعليم والصحة، وتراجع الحياة العامة. هذا النوع من الخطاب يريح السلطة لأنه يوجه الغضب دائماً إلى عدو خارجي، ويمنع الناس من مساءلة من يحكمهم فعلياً.

الأخطر أن الخطاب يخلط بين الإيمان والطاعة السياسية. فالولاية، كما يطرحها عبدالملك الحوثي، لا تبقى مفهوماً دينياً أو تاريخياً قابلاً للنقاش، بل تتحول إلى عنوان سياسي يُطلب من الناس الانضواء تحته دون مساءلة. ومن يعترض أو يسأل أو يطالب بحقه يمكن أن يُدفع ضمنياً إلى خانة المنافقين أو الخاضعين لأمريكا وإسرائيل. وهنا يتحول الدين من مصدر هداية وعدل إلى وسيلة لإغلاق النقاش وتخويف المجتمع من التفكير الحر.

وفي الوقت الذي يتحدث فيه الحوثي عن تحرير الأمة من الهيمنة الخارجية، يغيب عن كلمته أي حديث جاد عن تحرير الإنسان اليمني من الفقر والخوف والقمع. يتحدث عن العزة والكرامة في مواجهة أمريكا وإسرائيل، لكنه لا يشرح كيف تتحقق الكرامة داخل اليمن نفسه، حيث يعاني المواطن من انقطاع المرتبات، وغياب العدالة، وغلاء المعيشة، وتقييد الحريات، وتغليب الولاء للجماعة على الكفاءة والقانون.

إن أي خطاب ديني أو سياسي لا يضع الإنسان وحقوقه في قلب الأولويات يبقى خطاباً ناقصاً، مهما امتلأ بالآيات والشعارات. فالدين لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء للسلطة، ولا إلى وسيلة لتبرير الطاعة العمياء، ولا إلى أداة لتقسيم المجتمع بين مؤمنين وخونة وفق موقفهم من جماعة سياسية بعينها.

العقلاء من أتباع عبدالملك الحوثي، قبل خصومه، معنيون بطرح الأسئلة الصعبة: هل مواجهة إسرائيل تبرر سحق اليمنيين؟ هل حب آل البيت يعني تسليم البلاد لجماعة لا تُسأل ولا تُحاسَب؟ هل المطالبة بالراتب والعدالة والحرية تعد خيانة؟ وهل يمكن لمشروع يدّعي الولاية والهداية أن يخاف من السؤال والمراجعة؟

إن الكلمة الأخيرة لعبدالملك الحوثي تكشف جوهر الأزمة: خطاب طويل عن الأمة والعدو والولاية، لكنه قصير جداً عندما يتعلق الأمر باليمني البسيط وحقوقه اليومية. وهذه هي الفجوة التي لا تستطيع الشعارات ردمها، مهما طال الخطاب ومهما ارتفعت نبرته.