آخر تحديث :الأحد-26 أبريل 2026-01:33ص

27 أبريل .. الديمقراطية اليمنية بين ذاكرة التأسيس وواقع الانكسار

الأحد - 26 أبريل 2026 - الساعة 01:22 ص

خالد علاية
بقلم: خالد علاية
- ارشيف الكاتب


في كل عام، يعود السابع والعشرون من أبريل ليطرح سؤالاً أكبر من المناسبة نفسها: هل كانت الديمقراطية في اليمن لحظة تأسيس حقيقية أم تجربة عابرة اصطدمت سريعاً بجدران الواقع؟


ذلك اليوم الذي دخل فيه اليمنيون أول تجربة انتخابية برلمانية مباشرة في عام 1993، لم يكن مجرد محطة إجرائية في مسار دولة فتية، بل كان إعلاناً سياسياً بأن البلاد اختارت — نظرياً على الأقل — أن تدير خلافاتها عبر صناديق الاقتراع، لا عبر القوة، وأن تُدار السلطة بمنطق التعدد لا الاحتكار.


تلك المرحلة جاءت امتداداً لتحول أكبر تمثل في قيام دولة الوحدة عام 1990، وما رافقها من وعود ببناء نظام سياسي جديد يقوم على التعددية وحرية التنظيم والمشاركة. في تلك السنوات الأولى، تشكّل مشهد حزبي لافت، وبرزت حياة سياسية نشطة مقارنة بسياق إقليمي كان يميل غالباً إلى أنماط الحكم المغلقة.


لم يكن ذلك التحول بسيطاً أو سهلاً؛ فقد جاءت صياغة الدستور، ثم الاستفتاء عليه، كمحاولة لتثبيت قواعد لعبة سياسية جديدة: انتخابات، تعددية، تداول للسلطة، واعتراف قانوني بوجود قوى سياسية متعددة داخل الدولة الواحدة. ومن الناحية الشكلية، كانت التجربة تُقدَّم آنذاك كأحد النماذج القليلة في المنطقة التي تحاول الانتقال نحو مسار ديمقراطي تنافسي.


لكن السياسة، كما تُظهر التجارب عادة، لا تُقاس بالنصوص وحدها، بل بقدرة المؤسسات على الصمود أمام الصراعات، وبمدى استقلال الدولة عن تجاذبات النخب وموازين القوة. وهنا بدأت التحديات تتراكم: تنافس سياسي حاد، أزمات اقتصادية، اضطرابات أمنية، ثم لاحقاً تحولات أعمق أعادت تشكيل المشهد بالكامل.


ومع مرور السنوات، دخل اليمن في سلسلة من الأزمات المتداخلة التي أضعفت تدريجياً بنية الدولة ومؤسساتها، وقلّصت من فاعلية التجربة الديمقراطية التي وُلدت في التسعينات. الانتخابات استمرت شكلياً في فترات متقطعة، لكن المناخ العام كان يتجه نحو مزيد من الانقسام والتآكل المؤسسي.


لاحقاً، ومع تصاعد الصراع السياسي والعسكري، دخل البلد مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، حيث تراجعت الأولويات المدنية لصالح منطق القوة، وتراجعت معه المساحات السياسية التي كانت قد فُتحت في السابق. ومع تفجّر الحرب في 2014–2015، دخل اليمن عملياً في حالة إعادة تشكيل شاملة للدولة والسلطة والمجتمع.


في هذا السياق، لم تعد الديمقراطية — بمفهومها الإجرائي — حاضرة كما كانت في بداياتها، بل أصبحت جزءاً من سردية تاريخية تُستعاد في الذكرى أكثر مما تُمارس في الواقع. انتخابات متوقفة، مؤسسات منقسمة، وسلطة موزعة بين أطراف متعددة، كلها مؤشرات على أن المسار الذي بدأ في أوائل التسعينات قد دخل مرحلة مختلفة تماماً.


ومع ذلك، تبقى دلالة 27 أبريل أبعد من مجرد تقييم سياسي لحظة بلحظة؛ فهي تذكير بأن اليمن عرف، ولو لفترة، معنى المنافسة السياسية العلنية، وأن فكرة التداول السلمي للسلطة لم تكن غريبة تماماً عن تجربته الحديثة. كما أنها تفتح نقاشاً مستمراً حول إمكانية استعادة هذا المسار أو إعادة صياغته في المستقبل، بعد أن تضع الحرب أوزارها.


في النهاية، تبدو الديمقراطية اليمنية اليوم كفكرة مؤجلة أكثر منها مشروعاً مكتمل الملامح. لكنها أيضاً ليست فكرة منتهية؛ فالتجارب السياسية في الدول الخارجة من الصراعات غالباً ما تعود بشكل مختلف، وبشروط جديدة، وبذاكرة مثقلة بالتجربة السابقة — نجاحاتها وإخفاقاتها معاً.


يبقى السؤال المفتوح: هل يستطيع اليمنيون تحويل ذكرى 27 أبريل من محطة تاريخية إلى نقطة استئناف لمسار سياسي جديد، أم ستظل مجرد تاريخ يُستعاد في الخطاب أكثر مما يُستعاد في الواقع؟