جميعنا كان متأثرا بفكرة "مدن الزجاج" الخليجية التي ستنهار مع أول صاروخ.
قبل سيطرة الاسلاموية السنية والشيعية، التي حولت الاسلام الى أيدلوجيا تنظيمية أفسدت به الدين والدنيا معا، كان اليسار يردد "مدن النفط" باعتبارها "هشة" يمكن حرقها بعود ثقاب.
ثم جيشت الاسلاموية كل جهدها ضد تجارب الخليج اللامعة وفي القلب منها "الامارات العربية المتحدة"، وهو تجييش ضد التفوق والنجاح والتحضر والحياة،.
كانت الامارات تقدم نموذجا مبهرا يمنح الاسلام والعروبة مكانا راقيا في قلب الحداثة، في الوقت الذي خضعت فيه أغلب الدول العربية لمفردات هذه الأيدلوجيا المبتزة.
فالسعودية دفعت ثمن زلزال جهيمان، والكويت التي كانت أيقونة التحديث والانفتاح تكومت بعد جريمة الاجتياح العراقي لها.. ومصر دخلت صدمة اغتيال السادات، والجزائر لاتزال الى اليوم عالقة في منطقة رمادية بعد زلزال الحكم الاسلاموي ودموية جماعاته، واليمن أصبحت ميدانا مفتوحا للاخوان والمش اخوان بس يحترموهم. وشوهت أخطاء النظام في بغداد إسهام صدام في تحديث العراق، ومهدت معاركه الفرصة للمليشيات الاسلاموية كي تريق وجه الرافدين.
ونتحدث هنا عن الانظمة وعن السياسات، أما الشعوب ففيها الكثير ممايمكن قوله من مقومات التفوق الحضاري لهذه الأمة.
ووسط هذا كله لمعت "مدن الامارات" في سماء العالم العربي، فخطفت أبصارهم.. ثم توجت ذلك اللمعان برفض "حلقات التنظيم الاسلامي" السني والشيعي معا، وقالت: ديننا تحميه مساجدنا وعائلاتنا وقبائلنا، أما من يدعيك للقاء سري فلاعلاقة له بالدين.. والفتوى "مورد وطني" وليست ايدلوجيا عابرة للحدود..
فعزز كل ذلك موقف الايدلوجيات ضدها وعمقوا حملاتهم لتشويهها وهي ممتدة الى اليوم.
وككل التحديات التي تجاوزها الاماراتيون في بناء بلادهم وزراعة الصحراء ونقش شوارعها.. كان مشروعا آخر ينمو في قلب الدولة اسمه "القوات المسلحة".
ومثلما يعود الفضل في لمعان دبي لمحمد بن راشد، فقد لمع جيش اولاد زايد كمشروع جسور لمحمد بن زايد..
تختفي قيادات وابناء القيادات ومن مختلف المناصب، ثم يظهرون كأنهم كانوا في رحلة سفاري.. فكل مواطن من مختلف الامارات لديه جدول ثابت ليؤدي "خدمة الدفاع الوطني".. وحين يأتي دوره يتجه لأقرب مركز أيا كان منصبه ومركزه.
وفي الوقت الذي تلتزم البلاد بأعلى مايمكنها الالتزام به من معايير في التخطيط والعمراني المدني، هناك جهد موازي لكل ذلك عسكريا. تنظيما وتدريبا وتسليحا، ومن عاش ظروف الحرب رفقة جيش الامارات سيدرك معنى هذا الكلام.
لايعيش الجيش الاماراتي على نفقات الحروب، فالحرب عندهم مهمة طوارئ يجب انجازها في جدول زمني أو الخروج منها. والقتال هدفه عندهم تأمين حياة المقاتل وليس التضحية به في عمليات انتحارية، هو يقرر التضحية كجندي لكن واجب القيادة توفير ظروف حمايته بتوفير كل أسباب "الانتصار"، خطة وامكانيات ومتابعة.
وفي اللحظة التي ظن ملالي "إيران" أن "الخليج" يسهل إرهابه كان "جيش الامارات" يتقدم إخوانه في الجزيرة والخليج ليطمن ليس الاماراتي او الخليجي وحده، بل كل من له مصلحة في أمن وأمان البلاد..
مرت هذه الحرب ولم يرى المواطن حتى قطعة زجاج مكسورة في أي مكان، وحيث أصابت الاثار لم يستغرق سوى ساعات حتى يستعيد المكان لمعانه.
ليس هذا تقليلا من جهد ونجاح كل الجيوش العربية في الجزيرة والخليج، فلكل دولة تجربتها في هزيمة الصلف "الخميني"، وكل تصدي أو أثر هو انجاز مذهل لماقدمته "مدن النفط والزجاج" من تجربة تستحق الاشادة في الصمود والانتصار.
لكن تجربة جيش الامارات، نموذج لمايجب أن يكونه التنظيم العسكري في بلداننا العربية، فالجيش ليس مؤسسة سياسية ولا شأن له في شئون الحكم ولايخضع للترضيات، خاصة في بلدان كبلداننا الخليجية.
مع انها كانت حربا كونية، لم يسعى لها أي جيش عربي، لكنها فرضت عليه داخل حدود بلاده.. والمثالية في مواجهتها لاتعني أن الحرب مجرد "مزحة عابرة"، فكل الحروب لها أثمانها الباهضة.. لكن بلداننا الخليجية قدمت تجربة لم تخطر حتى على بال جماعات الحقد والكراهية وليس فقط بال المحايدين فضلا عن المواطنين..