لا تزال جهود التهدئة بين الحوثيين والسعودية عالقة في متاهة جيوسياسية معقدة، حيث تحولت اليمن إلى ساحة لصراع إقليمي متعدد الأبعاد، ورغم "الهدوء الحذر" السطحي، فإن كواليس المشهد تكشف عن جمود عميق تعززه ثلاثة عوامل متشابكة: الدور الإيراني المزدوج، وارتباك الوسطاء الإقليميين، وتوقف الضربات الأمريكية الذي خلق فراغاً استراتيجياً.
ولا يمكن فهم تعثر مسار التهدئة في اليمن من خلال العوامل المحلية وحدها، إذ أصبح هذا الملف جزءاً من شبكة أوسع من التفاعلات الإقليمية والدولية، تتداخل فيها حسابات الأمن البحري، والمنافسة على النفوذ، ومستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يجعل أي تقدم في المسار اليمني رهناً بتفاهمات تتجاوز حدود اليمن نفسها.
إيران بين النار والزيت
تظهر إيران كعنصر أساسي في معادلة التصعيد، حيث تمارس لعبة متقنة تجمع بين التهدئة الظاهرية والتحريض الفعلي، ففي الوقت الذي تستضيف فيه طهران وفوداً حوثية بنقل جوي مباشر، مما أثار احتجاجات الحكومة اليمنية ووصفته بـ"الانتهاك السافر للسيادة"، تطلب إيران من الحوثيين الاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب رداً على أي هجمات أمريكية محتملة.
هذا الدور المزدوج يفسر فشل أي تهدئة حقيقية؛ فطهران تمسك بزمام التصعيد، حيث أبلغت الحوثيين بأن ممثلي الحرس الثوري المتواجدين في اليمن سيتحكمون في قرار إغلاق المضيق.
ومما سبق لا يبدو أن طهران تنظر إلى اليمن باعتباره ملفاً مستقلاً، بل ورقة استراتيجية ضمن منظومة ردع إقليمية تستخدمها في إدارة تفاوضها مع الولايات المتحدة والقوى الغربية، وهو ما يجعل قرار التهدئة أو التصعيد مرتبطاً بدرجة كبيرة بتطورات ملفات أخرى، كالعقوبات والبرنامج النووي وأمن الخليج و مضيق هرمز.
ومع استمرار التوتر الأمريكي-الإيراني، واعتراف الصين بأن "اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران يواجه تحديات"، يظل الملف اليمني ورقة مساومة في يد طهران.
الوسطاء الإقليميون: أدوات عاجزة في لعبة كبرى
يكشف المشهد الحالي عن أزمة ثقة حادة في آليات الوساطة التقليدية، و بالرغم من اختلاف أدوار الوسطاء الإقليميين والدوليين، فإن المشكلة لا تكمن في غياب المبادرات بقدر ما تكمن في غياب الإرادة السياسية لدى الأطراف المؤثرة، إضافة إلى تضارب مصالح القوى الإقليمية والدولية، الأمر الذي جعل الوساطة تتحول في كثير من الأحيان إلى إدارة للأزمة أكثر من كونها سعياً فعلياً لإنهائها او حل جذور الصراع اليمني.
• سلطنة عُمان: التي لعبت تاريخياً دور الوسيط المحايد الى حد ما، وجدت نفسها في موقف معقد بعد تقارير عن تعاونها الاستخباراتي والعسكري مع إيران على حساب السعودية؛ هذا التحول أضعف مصداقيتها كوسيط، رغم استمرار المبعوث الأممي هانس غروندبرغ في إجراء مشاورات مكوكية في مسقط وغيرها واستمرار تواجد قيادات حوثية مهمة في ملف العلاقات الخارجية للحوثيين مثل محمد عبدالسلام فليته وغيره من القيادات الحوثية.
• الأمم المتحدة: أعربت عن قلقها العميق من مخاطر التصعيد الإقليمي، محذرة من أن "الإجراءات الأحادية لن تقرب اليمن من "السلام"، لكن تصريحاتها تظل عاجزة عن وقف الانزلاق نحو المواجهة، خاصة مع تزايد التشاؤم حول آفاق الحل السياسي حتى لدى الدبلوماسيين الغربيين.
• دور باكستان والصين: برزت باكستان كوسيط جديد في الملف الإيراني-الأمريكي، بينما دعت الصين في مجلس الأمن إلى احترام سيادة جميع دول المنطقة، وحثت واشنطن وطهران على تنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة بينهما.
توقف الضربات الأمريكية: فراغ استراتيجي
في تطور مفاجئ، توقفت الغارات الجوية الأمريكية التي كانت تستهدف مواقع إيرانية وحوثية، مما خلق حالة من الغموض الاستراتيجي، وهذا التوقف، الذي تزامن مع نهاية يوليو 2026م، أعطى انطباعاً لدى الحوثيين بأن واشنطن غير قادرة على مواصلة الضغط العسكري، مما شجعهم على المزيد من التصعيد.
ويرى محللون أن غياب الردع الأمريكي المباشر منح إيران مساحة أكبر للمناورة، حيث حولت تركيزها إلى تهديد الممرات المائية الحيوية، وفي مقدمتها مضيقي هرمز وباب المندب، كورقة ضغط رئيسية؛ كما بعث هذا التوقف برسائل متباينة إلى مختلف الأطراف؛ فالرياض قرأته باعتباره مؤشراً على تراجع الانخراط العسكري الأمريكي المباشر، بينما نظر إليه الحوثيون باعتباره فرصة لإعادة ترتيب قدراتهم العسكرية والسياسية، في حين استثمرته إيران لتعزيز هامش المناورة دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
وقد حذرت الأمم المتحدة من أن أي حصار لباب المندب ستكون له عواقب وخيمة على التجارة العالمية والإمدادات الإنسانية.
السيناريوهات المحتملة
في ضوء المعطيات الحالية يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
أولاً: استمرار حالة الجمود مع بقاء التهدئة الهشة دون اتفاق سياسي شامل.
ثانياً: عودة التصعيد العسكري عبر استهداف الملاحة أو المنشآت الاقتصادية، بما يعيد الانخراط الأمريكي والإقليمي بصورة أوسع.
ثالثاً: نجاح ضغوط دولية وإقليمية في إعادة الأطراف إلى مسار تفاوضي جديد، وهو السيناريو الأقل احتمالاً في المدى القريب، لكنه يظل الخيار الأقل كلفة على اليمن والمنطقة.
الخلاصة: طريق مسدود بلا مخرج
ما نشهده اليوم ليس مجرد فشل في التهدئة، بل تحول في طبيعة الصراع نفسه. فالحوثيون، بدعم إيراني، يراهنون على استمرار الانقسام الدولي والإقليمي لتعزيز مكاسبهم، بينما تبدو الرياض عالقة بين الرغبة في الخروج من المستنقع اليمني وضرورة الرد على الاستفزازات.
وغياب موقف دولي موحد، إلى جانب توقف الضربات الأمريكية الذي أوجد فراغاً في الردع، يجعل أي تهدئة حقيقية بعيدة المنال. أما العامل الأكثر خطورة فهو تحول اليمن إلى ساحة للصراع الإيراني-الأمريكي غير المباشر، حيث تظل "التهدئة" مجرد كلمة في قاموس الدبلوماسية، بينما تتحرك الأطراف على الأرض وفق حسابات مختلفة تماماً.
إن مستقبل التهدئة في اليمن لن يتحدد فقط بقدرة الأطراف اليمنية على تقديم تنازلات متبادلة، وإنما بمدى استعداد القوى الإقليمية والدولية لفصل الملف اليمني عن صراعاتها الأوسع. فطالما بقي اليمن ساحة لتصفية الحسابات، ستظل فرص السلام محدودة، وستبقى التهدئة مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانهيار في أي لحظة.
ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع المجتمع الإقليمي والدولي، وفي مقدمته الأمم المتحدة والسعودية والولايات المتحدة والصين، إقناع الأطراف بأن العودة إلى طاولة المفاوضات هي السبيل الوحيد لتجنب حرب إقليمية شاملة؟ أم أن اليمن مقبلة على جولة جديدة من التصعيد الأكثر دموية منذ سنوات؟
أكاديمي ومحلل سياسي
جامعة تعز