آخر تحديث :الثلاثاء-28 يوليو 2026-12:17ص

لصوص المنح وتجار آمال الفقراء المتفوقين

الإثنين - 27 يوليو 2026 - الساعة 11:38 م

محرم الحاج
بقلم: محرم الحاج
- ارشيف الكاتب


لصوص المنح وتجار آمال الفقراء المتفوقين: كيف حوّل النافذون "التعليم العالي" إلى إقطاعية عائلية؟

لم تعد المأساة في هذا الوطن تكمن في شح الموارد أو قسوة الظروف، بل في أزمة الضمير الأخلاقي التي نهبت كل شيء، حتى آمال الفقراء المتفوقين. التقرير الكارثي الذي كشف النقاب عن ملف المنح والابتعاث الخارجي لم يكن مجرد وثيقة عن فساد مالي عابر، بل كان شهادة وفاة رسمية للعدالة وتكافؤ الفرص، وتوثيقاً لجريمة مكتملة الأركان ترتكبها وزارة التعليم العالي ومن يدور في فَلَكها من مسؤولين تحولوا من رجال دولة إلى "عصابة" تتقاسم الغنائم.


كيف لوزارة تُعنى بالتعليم والتربية أن تتحول إلى شركة خاصة لتوزيع الامتيازات على أبناء المسؤولين والنافذين؟ بأي عين ينام هؤلاء المسؤولون وهم يعلمون أن أربعة ملايين دولار سنوياً – من أموال هذا الشعب المنهوك – تُهدر لتدليل أبنائهم والمقربين منهم، في حين يُحرم منها الطالب الفقير المتفوق الذي سهر الليالي ليحصد أعلى الدرجات، فلا يجد في النهاية سوى خيبة الأمل، أو طريقاً حتمياً نحو جبهات القتال؟


إنها إقطاعية عائلية بامتياز. حين تستحوذ 13 عائلة فقط على 131 منحة دراسية، وتصل حصيلة العائلة الواحدة إلى 16 منحة، في الوقت الذي لم تحصل فيه جامعة كاملة بوزن "جامعة إقليم سبأ" إلا على مقعد واحد، فنحن لا نتحدث عن تجاوزات إدارية، بل عن "سقوط أخلاقي مريع". قائمة العائلات التي سيطرت على البعثات – من عوائل: (أبو حاتم، والفقيه، والقاضي، والطاهري، والقدمي، والشرجي، وكزمان، وشرف الدين، وعرجاش، والعمراني، والفاتش، والمولد، والمليكي) – تعكس بوضوح كيف تحولت المنح إلى تركة عائلية تُورّث.


أما الوقاحة والتحايل الرخيص، فتتجلى في التفاصيل المبتكرة لهذا الفساد؛ حيث أظهر التقرير أن نحو 33% من إجمالي المبتعثين هم من الأقارب والإخوة، في ظل وجود 508 حالات إخوة في الكشوفات. والأدهى من ذلك هو تعمد تغيير الألقاب والأسماء الرابعة في الموقع الرسمي لوزارة التعليم العالي لإخفاء صلة القرابة والالتفاف على الشارع، بينما تُرسل الأسماء الحقيقية إلى السفارات والجامعات بالخارج! أيُّ خسةٍ هذه التي تدفع مؤسسة رسمية للتزوير والتدليس لمجرد حماية مصالح أبناء المسؤولين؟


ولم تتوقف المهزلة عند وزارة التعليم العالي، بل امتدت لتشمل وزارة الدفاع التي وزعت منحاً في تخصصات مدنية لا علاقة لها بالجانب العسكري، ناهيك عن الابتعاث غير المبرر إلى دول كالسودان في تخصصات دينية، أو التعامل مع المنحة وكأنها "صك ملكية" يُورث من الأخ إلى أخيه عند انقطاعه! وكل هذا يجري تحت حماية ورعاية سفارات وقنصليات تُسخَّر إمكاناتها لخدمة أبناء المسؤولين في زياراتهم وسياحتهم، بينما يُترك المواطن العادي والمبتعث المستحق يعاني الأمرين في المهجر.


إن أشد ما يدمي القلب في هذه الفضيحة هو تلك المفارقة المؤلمة: أبناء البسطاء والفقراء والمتفوقين يُساقون إلى خطوط النار ويجودون بأرواحهم دفاعاً عن الوطن، بينما يرفل أبناء المسؤولين والتجار والوجاهات – بل وحتى بعض المحسوبين على القيادات الحوثية ومشرفيها – في نِعَم المنح والامتيازات المالية بالخارج على نفقة الدولة.


هذا ليس مجرد فساد، إنه انهيار كامل للشعور بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية، وتكريس لمرحلة صرنا فيها أمام مسؤولي دولة يتعاملون مع المؤسسات كمغنم شخصي، وإن الاستمرار في التغاضي عن هذه المهزلة هو مشاركة صريحة فيها.


لقد حان الوقت لإيقاف هذا العبث فوراً، وإلغاء كافة المنح غير القانونية، ومحاسبة قيادات وزارة التعليم العالي واللجان المتورطة في هذا التزوير، وإعادة الاعتبار للطلاب الفقراء والمتفوقين الذين سُرقت حقوقهم جهاراً نهاراً.

" والله غالبٌ على أمره"


نسخة مع التحية :

#مجلس_القيادة_الرئاسي #رئاسة_الوزراء

#النائب_العام #هيئة_مكافحة_الفساد