آخر تحديث :الإثنين-30 مارس 2026-01:37ص

الإصدار النقدي في اليمن.. بين الضرورة وسوء الفهم

الإثنين - 30 مارس 2026 - الساعة 01:37 ص

وحيد الفودعي
بقلم: وحيد الفودعي
- ارشيف الكاتب


مهم جدًا

للأسف، يشيع في اليمن، حتى لدى بعض الاقتصاديين، بل وحتى لدى البنك المركزي نفسه، فهمٌ قاصر لمسألة طباعة النقود وإصدارها؛ إذ يُنظر إلى الإصدار النقدي بوصفه أمرًا سلبيًّا في جميع الأحوال، وكأنَّه لا يعني إلا التضخم، أو لا يُستخدم إلا لتمويل عجز الموازنة؛ وهذا تبسيطٌ مُخلّ، يكشف ضعفًا في فهم وظائف الإصدار النقدي وأدواره المختلفة في إدارة الاقتصاد.


فالإصدار النقدي ليس شرًّا مطلقًا، ولا أداةً محرّمة اقتصاديًّا، وإنما هو أداة من أدوات السياسة النقدية، تتحدد آثاره بحسب سبب الإصدار، وحجمه، وتوقيته، والجهة التي تستقبله، والغطاء الاقتصادي الذي يستند إليه، ومدى انسجامه مع مستوى النشاط الاقتصادي الحقيقي وحاجة السوق إلى السيولة.


فقد يكون الإصدار النقدي تضخميًّا ومدمّرًا إذا جاء لتمويل عجز مالي مزمن، أو لتغطية إنفاق حكومي غير منتج، أو جرى ضخه في اقتصاد مختنق من جهة الإنتاج والعرض؛ لكنه، في المقابل، قد يكون ضروريًّا ومبررًا، بل ومطلوبًا، إذا استُخدم لمعالجة اختناقات السيولة، أو لتلبية الطلب الطبيعي المتزايد على النقد، أو لمواكبة نمو النشاط الاقتصادي، أو لإحلال نقد تالف، أو لسحب كتل نقدية مشوهة، أو لإعادة التوازن إلى الدورة النقدية في لحظة اضطراب مصرفي أو انكماش حاد.


وفي هذا السياق، تبرز في الحالة اليمنية مفارقة لافتة؛ إذ إن السوق النقدية تعاني منذ أكثر من خمسة أشهر من شحٍّ حادٍّ في السيولة، بل إن آثار هذا الشح امتدت إلى البنك المركزي نفسه، بما يعكس أن المشكلة لم تعد مقتصرة على المصارف التجارية أو شركات الصرافة أو الجمهور، وإنما وصلت إلى الجهة التي يُفترض أنها المدير الأعلى للسيولة في الاقتصاد؛ ومع ذلك، لم يظهر حتى الآن علاجٌ فعّال بحجم المشكلة، ويبدو أن أحد أهم أسباب هذا الجمود هو تلك النظرة القاصرة أو الخاطئة إلى الطباعة والإصدار النقدي، حيث جرى التعامل مع الإصدار كما لو كان خطرًا مطلقًا يجب تجنبه في كل الأحوال، بدل النظر إليه بوصفه أداة فنية قد تكون ضرورية، بل واجبة، عندما يدخل الاقتصاد في حالة اختناق نقدي تعطل المعاملات، وتربك الأسواق، وتشلّ وظائف الوساطة المالية، وتفتح المجال أمام السوق غير الرسمية لتوسيع نفوذها على حساب السلطة النقدية الرسمية.


والمشكلة ليست في الإصدار النقدي في حد ذاته، بل في الإصدار غير المنضبط، وغير المغطّى اقتصاديًّا، وغير المنسجم مع متطلبات الاستقرار النقدي؛ أمَّا الإصدار المدروس، المرتبط بحاجات الاقتصاد الحقيقية، والمصحوب بأدوات امتصاص مناسبة، فقد يكون جزءًا من الحل لا جزءًا من المشكلة.


وهنا تبرز مسألة بالغة الأهمية، كثيرًا ما يجري تجاهلها في النقاش النقدي المحلي، وهي أن من أهم وظائف البنك المركزي السليم ألا يكتفي بما هو متداول من نقد مُصدر، بل أن يحتفظ أيضًا باحتياطي نقدي محلي مناسب غير مُصدر، أو غير مطروح للتداول، يُستخدم عند الحاجة لتغذية السوق، ومواجهة الأزمات الطارئة، وتعويض النقد التالف، وتلبية الارتفاعات المفاجئة في الطلب على السيولة؛ فغياب مثل هذا الاحتياطي لا يكشف فقط ضعفًا تشغيليًّا أو قصورًا إداريًّا، بل يكشف خللًا في مفهوم الجاهزية النقدية ذاته، لأن إدارة النقد لا تعني مجرد طباعة الأوراق أو الامتناع عن طباعتها، بل تعني أيضًا التخطيط المسبق لاحتياجات السوق، والاحتفاظ بهوامش أمان نقدية كافية، تمامًا كما تحتفظ البنوك التجارية باحتياطيات لمواجهة السحوبات، وكما تحتفظ الدول باحتياطيات من العملات الأجنبية لمواجهة الصدمات الخارجية.


إن عدم توفر احتياطي نقدي غير مُصدر من العملة المحلية يجعل البنك المركزي في وضع هشّ للغاية؛ لأنه يفقده القدرة على الاستجابة السريعة عند حدوث شحّ السيولة أو الاضطرابات الموسمية أو حالات الذعر المصرفي أو التعطل الجزئي في قنوات الدفع؛ وفي هذه الحالة، يصبح البنك المركزي أسيرًا لخيارات ضيقة: إما ترك السوق يختنق، وإما اللجوء المتأخر إلى إصدار جديد قد يأتي في ظروف مرتبكة، وبتكلفة أعلى، وضمن بيئة من الشك وانعدام الثقة؛ بينما الأصل في الإدارة النقدية الرشيدة أن تكون هذه الاحتياجات محسوبة مسبقًا، وأن يكون جزء من الكتلة النقدية الجاهزة متاحًا للتدخل عند الحاجة، لا أن يُترك الاقتصاد يواجه العجز النقدي دون شبكة أمان.


لذلك، فإن اختزال قضية الإصدار النقدي في معادلة ساذجة تقول: “أي طباعة تعني تضخمًا” هو اختزال غير علمي، ولا ينسجم مع النظرية النقدية الحديثة ولا مع الممارسة العملية في إدارة البنوك المركزية؛ فكما أن الإفراط في الإصدار خطر، فإن الجمود عن الإصدار عند الحاجة قد يكون خطرًا أيضًا، لأنه قد يقود إلى شحّ السيولة، وتعطّل المعاملات، وتفاقم الركود، واتساع السوق غير الرسمية، وإضعاف الثقة بالجهاز المصرفي؛ بل إن الخطر قد يتضاعف حين لا يكون لدى البنك المركزي أصلًا مخزون نقدي احتياطي غير مُصدر، لأن ذلك يعني أن المؤسسة النقدية لا تعاني فقط من تردد في القرار، بل من ضعف في الاستعداد أيضًا.


وفي الحالة اليمنية تحديدًا، يصبح من الضروري التمييز بين الإصدار بوصفه أداة فنية لإدارة الكتلة النقدية، وبين الإصدار بوصفه وسيلة سهلة لتمويل العجز؛ الخلط بين الأمرين أضرّ كثيرًا بالنقاش العام، وجعل بعضهم يتعامل مع النقد وكأنه عدو، مع أن المشكلة الحقيقية ليست في وجود النقد، بل في سوء إدارته، وضعف التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية، وانكماش الإنتاج، وتآكل الثقة بالمؤسسات؛ كما أن تجاهل مسألة الاحتياطي النقدي المحلي غير المُصدر، والتقليل من أهمية وجوده، جعل السياسة النقدية تبدو وكأنها تتحرك بردّ الفعل لا بالفعل، وتواجه الأزمة عند وقوعها بدل أن تستعد لها مسبقًا.


إن النقاش الرصين يجب أن ينطلق من سؤال أدق: متى يكون الإصدار النقدي مبرّرًا؟ ومتى يكون خطرًا؟ وما حجمه المناسب؟ وما أدوات تعقيمه أو امتصاص آثاره؟ وما مدى ارتباطه بالناتج الحقيقي، وبسرعة تداول النقود، وبحاجة الاقتصاد الفعلية إلى السيولة؟ وهل لدى البنك المركزي احتياطي نقدي جاهز غير مُصدر يمكّنه من التدخل السريع عند الحاجة؟ هنا يبدأ الفهم العلمي، لا عند إطلاق الأحكام العامة والمطلقة.


وحيد الفودعي

من صفحة الكاتب على موقع فيسبوك