من النادر جدًا أن أكتب خارج الشأن الاقتصادي. ولعلها من المرات القليلة التي أخرج فيها من عالم الاقتصاد، والمصارف، والتحليل، والسياسات، والأرقام، إلى مساحة أخرى تبدو، في ظاهرها، بعيدة عن اهتماماتي المباشرة؛ لكن الحقيقة أن بعض التجارب لا تعترف بالحدود التقليدية بين التخصصات، ولا تستأذن المرء حين تفرض عليه الكتابة؛ هناك لحظات لا تطرق بابك بوصفها مادةً للمتابعة، بل بوصفها صدمة وعي، أو مرآةً مفاجئة ترى فيها نفسك، أو جزءًا كبيرًا منها، في حديث شخص آخر يفترض، ظاهريًا، أنه ينتمي إلى عالم مختلف تمامًا عن عالمك.
هذا ما حدث لي وأنا أتابع لقاء الصحفي بشير الحارثي مع الفنانة القديرة سالي حمادة.
فعلى الرغم من نفوري المعتاد من اللقاءات المطولة، بل وتجنبي غالبًا لهذا النوع من الحوارات التي يمتد فيها الزمن أكثر مما تحتمل الفائدة، إلا أنني، وللمرة الأولى، وجدت نفسي أتابع بودكاستًا يمتد لساعتين ونصف دون أن يتسرب إليّ ملل، أو يضعف انتباهي، أو أشعر بأن الوقت يمر ثقيلًا. بل على العكس، كانت الحلقة تمضي بي من إنصات إلى إنصات، ومن دهشة إلى دهشة، ومن تقاطع داخلي إلى آخر، حتى انتهيت منها وأنا أشعر أنني لم أكن أتابع مجرد مقابلة مع ممثلة، بل كنت أواجه تجربة إنسانية كاملة، وتجسيدًا حيًا لكثير من المعاني التي خبرتها بنفسي في الحياة والعمل والناس.
ولعل أكثر ما فاجأني، بل ما دفعني إلى الكتابة أصلًا، أنني شعرت في أكثر من موضع أن سالي حمادة لا تتحدث عن نفسها فقط، بل تتحدث عني أيضًا، أو عن شيء يشبهني إلى حد بعيد؛ شعرت أن كثيرًا من المواقف التي سردتها، وكثيرًا من استنتاجاتها، وكثيرًا من قراءاتها لطبيعة النجاح، والتميّز، والخذلان، والمحاربة، والتقييم غير العادل، هي ذاتها، بدرجات متفاوتة، ما مررت به، وما رأيته، وما فهمته من واقع الحياة المهنية والإنسانية؛ والمفارقة هنا أن الهوة بين تخصصي وتخصصها، في ظاهر الأمر، واسعة جدًا؛ فأنا أنتمي إلى عالم المحاسبة، والمراجعة، والاقتصاد، والعمل المصرفي، وهي تنتمي إلى عالم الفن والتمثيل والدراما؛ لكن ما كشفه هذا اللقاء أن الجوهر الإنساني أعمق من التخصص، وأن معاناة الكفاءة، وكلفة الوعي، وثمن التميز، لا تعترف بالفواصل بين المهن والقطاعات.
ولهذا أقول إن هذه التجربة تستحق أن تُعمَّم وتُدرَس، لا لأنها تخص فنانة معروفة فحسب، بل لأنها تقدّم نموذجًا شديد الثراء لما يمكن أن تكون عليه الشخصية حين تجتمع فيها الموهبة مع الثقافة، والتجربة مع الوعي، والجرأة مع الاتزان، والصدق مع النضج، والفن مع البصيرة بالحياة.
ما أدهشني في سالي حمادة لم يكن حضورها الفني فقط، بل هذا الاتساع الملحوظ في ثقافتها، وهذا العمق في وعيها، وهذا التوازن في حديثها، وهذه العفوية الراقية التي لا تصطنع نفسها ولا تستعرضها؛ كانت تتحدث بثقة واضحة، لكن بلا فجاجة؛ كانت صريحة، لكن بلا ابتذال. وكانت، وهذا هو الأهم، تبدو كإنسانة تعرف نفسها جيدًا، وتفهم تجربتها، وتعي ما مرّت به، وتدرك ما تستحقه، من دون أن تتورط في نبرة الضحية، ولا في استعراض البطولة.
ومن الطبيعي، في تقديري، أن يخرج هذا النضج من شخصية تربت وترعرعت في أسرة فنية عريقة، من جهة الأب والأم والجد، وفي بيئة لم يكن الفن فيها مجرد مهنة، بل إرثًا، وتربيةً، وذائقةً، ووعيًا، واحتكاكًا مبكرًا بالمعنى الحقيقي للفن؛ النشأة في مثل هذا الوسط لا تمنح الإنسان فرصةً لاكتساب المهارة فقط، بل تمنحه أيضًا قدرةً على فهم ما وراء المهنة: أخلاقها، وتاريخها، ورسالتها، وكلفتها، وما يتصل بها من صبر، واختبار، وتمحيص، ونضج داخلي؛ ولهذا بدا واضحًا أن سالي لا تحمل من الفن مجرد أدوات الأداء، بل تحمل فهمه أيضًا، وتحمل وعيًا يتجاوز المنصة إلى ما وراءها.
وأحسب أن من أكثر ما جعل هذه الحلقة استثنائية أنها كشفت سالي بوصفها فنانة تشارك في صناعة العمل، لا مجرد ممثلة تؤدي ما يُكتب لها؛ فهي لا تقف عند حدود النص الجاهز، بل ترتجل، وتضيف، وتعدّل، وتفكر، وتشارك في إخراج المشهد بأفضل ما يمكن. وهذا فارق بالغ الأهمية؛ لأنه يكشف عن عقلية لا تتعامل مع الفن كتنفيذٍ حرفي، بل كعملية خلق حقيقية؛ والفرق كبير جدًا بين من يمر عبر المهنة، ومن تسكنه المهنة ويضيف إليها من روحه وفهمه وخبرته.
لكن، ربما، يبقى أصدق ما قالته، في نظري، تلك العبارة العميقة التي تختصر مأساة المتميزين في كل مكان: أن غياب التوفيق أحيانًا لا يكون بسبب ضعف المستوى، بل لأن الأداء نفسه يكون أعلى من سقف التوقعات؛ هذه ليست جملة عابرة يمكن المرور عليها بخفة، بل هي مفتاح لفهم كثير من الظلم الصامت الذي يتعرض له أصحاب الكفاءة في مجالات شتى؛ كم من إنسان لم يُنصف، لا لأنه لم يكن جيدًا بما يكفي، بل لأنه كان أفضل مما تتحمله البيئة المحيطة، أو أكثر نضجًا مما يسمح به السياق، أو أكثر قدرةً مما يريح من حوله.
وهنا بالضبط تتجاوز سالي حمادة نفسها، ويتحول حديثها من شهادة شخصية إلى تشخيص اجتماعي واسع؛ فالحرب على التميز ليست، محصورة في الوسط الفني، بل هي عدوى ممتدة في كثير من المؤسسات العامة والخاصة، وفي كثير من البيئات التي تعاني اختلالًا في معيار الاستحقاق؛ هناك أماكن لا تحتفي بالكفاءة، بل ترتاب منها؛ لا تُكافئ المختلف، بل تتحسس من حضوره؛ لا ترى في تفوقه قيمةً مضافة، بل تهديدًا ضمنيًا؛ وهنا تدخل عقدة النقص لتفعل فعلها الخفي: يتحول البروز إلى تهمة، والامتياز إلى عبء، والاستحقاق إلى إزعاج، ويغدو تهميش المتميزين وسيلة دفاع نفسي يمارسها من لا يحتملون أن تقف قدراتهم المحدودة في مواجهة حضور واضح ومقنع وكاشف.
من هنا شعرت أن ما قالته سالي عن الفن يمكن أن يُقرأ خارج الفن تمامًا؛ يمكن أن يُقرأ في الجامعة، وفي المؤسسة، وفي الإدارة، وفي السوق، وفي الإعلام، وفي كل مكان يكون فيه النجاح الحقيقي مرآةً محرجةً للفشل المقنّع أو للكفاءة الهشة أو للمكانة غير المستحقة؛ وهذا، في تقديري، أحد أعظم ما في الحلقة: أنها لم تكن مجرد حوار عن تجربة ممثلة، بل كانت نافذة لفهم معضلة أوسع تتعلق بطريقة مجتمعاتنا ومؤسساتنا في استقبال الناجحين.
ومن الجوانب التي تحسب لها أيضًا أنها كشفت، بشجاعة واضحة، ما لم يتجرأ كثيرون على قوله عن تعرض بعض الممثلات للابتزاز، والتحرش، والمساومات، وغير ذلك من الممارسات القذرة التي تحيط ببعض بيئات العمل؛ لكن اللافت هنا، مرة أخرى، أنها لا تكتفي بوصف الألم، بل تنتقل إلى مستوى الوعي بالحاجة إلى الحل، حين تطالب بقانون يحمي المرأة من التحرش في بيئة العمل؛ وهذه نقطة بالغة الأهمية؛ لأنها تكشف عن عقلية كلما ناقشت قضية، لم تكتفِ بإثارتها، بل حاولت أن تضع يدها على مخرجٍ عملي لها؛ وهذا في حد ذاته علامة نضج ومسؤولية.
وفي حديثها عن المقارنة بدت أيضًا شديدة الوعي حين أكدت، بمعنى طرحها، أن المقارنة الصحيحة ليست مع الآخرين، بل مع النفس عبر الزمن؛ وهي فكرة في غاية العمق؛ لأن المقارنة بالآخرين كثيرًا ما تكون مدخلًا للاضطراب، والحسد، وفقدان التوازن، بينما المقارنة بالنفس هي الطريق الأصح للتقييم، والتصحيح، والنمو، ومراجعة الذات؛ وهذا النوع من الأفكار لا يصدر عن شخصية سطحية أو محكومة بردود فعل لحظية، بل عن إنسانة راكمت خبرة في الحياة، وفهمت كيف تنجو نفسيًا وأخلاقيًا في عالم مليء بالمقارنات السامة.
وكشفت الحلقة أيضًا، بوضوح جميل وهادئ، عن علاقتها بالله، وعن ثقتها به، وعن عودتها إليه في كثير من منعطفات حياتها؛ وقد بدا هذا الجانب صادقًا وغير متكلّف، وهو ما أعطاه قيمته الحقيقية؛ فهي، بقدر ما هي ممثلة تكشف شغفها بالفن، بدت أيضًا امرأة متدينة بمعنى لكلمة: تعرف ربها، وتعرف حدود الصح والخطأ، وتفهم أن التدين ليس احتكارًا شكليًا ولا حكرًا على صورة اجتماعية بعينها؛ وهذا الوعي الإيماني المتزن، البعيد عن الاستعراض، أضاف إلى صورتها احترامًا آخر.
كما لم يغب عن الحوار أثر الأسرة في تكوينها، ودور الأم والأب والأهل في التوجيه، والمتابعة، والتنبيه، ورسم الخطوط الفاصلة بين ما ينبغي فعله وما ينبغي تجنبه؛ وهذا البعد مهم جدًا؛ لأنه يكشف أن الشخصية السوية والمتزنة لا تنبت وحدها غالبًا، بل تكون ثمرة بيئة، ورعاية، وتربية، ومتابعة، وحد أدنى من المرجعيات الصلبة التي تحميها من الانفلات أو التشوش.
وفي قراءتها لواقع الدراما اليمنية بدت منصفة، وذكية، وواقعية؛ تحدثت عن الخلل، وعن مكامن الضعف، وعن الفوارق بين جيل الرواد، وجيلها، والجيل الجديد، بمنطق متزن لا يجنح إلى جلد الجميع ولا إلى تبرئة الجميع.
كما حذّرت من السرعة في الصعود وتحقيق الأهداف، لقد بدت واعية بأن السرعة في الوصول ليست دائمًا علامة صحة، بل قد تكون مصدر خوف؛ لأن ما يصعد بسرعة قد يسقط بالسرعة نفسها؛ وهذه حكمة لا تخص الفن وحده، بل تكاد تكون قاعدة عامة في الحياة كلها: ما لم يُبنَ على مهل، وعلى تراكم، وعلى استحقاق، يبقى أكثر هشاشة مهما بدا لامعًا في بداياته.
وتوقفت أيضًا عند وعيها بطبيعة المجتمع اليمني الذكورية، وانعكاس ذلك على الفن، وعلى المرأة داخله، وما يترتب على ذلك من تمييز، أو تضييق، أو أحكام غير عادلة؛ كما لفتني حديثها عن الفن بوصفه رسالة، وعن قدرته على معالجة كثير من القضايا، وإحداث تغيير مجتمعي ولو بصورة بسيطة وتدريجية؛ ومن هنا كان مفهومًا جدًا إصرارها على اختيار أعمالها بعناية، وعلى الانحياز إلى الجودة لا الكثرة، وإلى القيمة لا مجرد الظهور.
ومن أبرز ما شدني كذلك حديثها عن الأمومة، وهو حديث لم يخرج منها بوصفه أداءً عاطفيًا عابرًا، بل بوصفه خبرةً واعية وناضجة. بدا واضحًا مقدار حرصها على أطفالها ومستقبلهم، لكن الأعمق من ذلك كان فهمها لمعنى الأمومة نفسها. وقد لمستُ بصدق ما قالته، بمعنى حديثها، من أن الأم تبقى أمًا في كل مكان، وأن تحديات الأم في أوروبا المستقرة لا تلغي تحديات الأم في اليمن المثقلة بالحرب، بل تختلف صورها فقط. الأم في اليمن تحارب في وجه الفقر، والخوف، والاضطراب، وانعدام اليقين، بينما الأم في أوروبا قد تحارب من أجل حماية أولادها من الذوبان، ومن أجل حفظ الهوية، والقيم، والعادات، والانتماء. وفي الحالتين تظل الأم في معركة مستمرة من أجل أبنائها. هذا الفهم لا يصدر إلا عن امرأة عرفت الحياة من الداخل، لا من سطحها.
أما حديثها عن السوشال ميديا ومساوئها، وعن وصول بعض الأشخاص إلى التمثيل لا لأنهم الأكفأ أو الأعمق أو الأجدر، بل فقط لأنهم مشهورون على المنصات، فهو حديث يخص عصرًا كاملًا، لا الفن وحده. إنه زمن استبدال القيمة بالانتشار، والاستحقاق بالضجيج، والجوهر بالصورة. ولهذا بدا نقدها هنا أيضًا في مكانه تمامًا.
وفي أكثر من موضع، كانت تبث خلال الحوار دروسًا حياتية تتجاوز الفن تمامًا: التغيير سنة الحياة، وبعض القناعات قد تتبدل مع النضج، والحياة قسمة ونصيب، ولن يأخذ الإنسان إلا ما كتب الله له، وكل شيء دون الله قابل للتغير، والصبر ليس شعارًا بل ضرورة وجودية، وليس كل تأخر خسارة، وليس كل صعود مكسبًا؛ هذا النوع من المعاني، حين يصدر بهذه البساطة والصدق، يترك أثرًا أعمق من كثير من الخطابات المتعمدة في الوعظ والتنظير.
في المحصلة، لم تكن سالي حمادة، في هذا اللقاء، مجرد ممثلة تتحدث عن مشوارها، بل كانت نموذجًا نادرًا لامرأة واعية، مثقفة، ناضجة، صادقة، شجاعة، تعرف الحياة جيدًا، وتعرف الناس، وتفهم النجاح، وتدرك ثمنه، وتحمل من الفن أكثر من الموهبة، ومن الإيمان أكثر من الشكل، ومن الثقافة أكثر من الادعاء.
ولا يكتمل الحديث هنا من دون إنصاف الصحفي بشير الحارثي نفسه؛ فلولا حسن اختياره للضيفة، ولولا طريقته الذكية في إدارة الحوار، لما تعرفنا على هذا العمق كله في شخصية سالي حمادة؛ فليس كل محاور قادرًا على أن يفتح هذه المساحات، وليس كل صحفي يملك الحس الذي يجعله يعرف من أين يبدأ، وأين يتوقف، ومتى يضغط، ومتى يفسح المجال، ومتى يترك الضيف يتدفق بطبيعته.
لقد بدا واضحًا أن بشير الحارثي لم يكن يدير لقاءً تقليديًا قائمًا على الأسئلة المستهلكة، بل كان يمارس حوارًا حقيقيًا، فيه إعداد، وفيه ذكاء، وفيه قدرة على التقاط المفاصل التي تُخرج من الضيف أفضل ما لديه، لقد أحسن الاختيار، وأحسن الإصغاء، وأحسن بناء الأسئلة، فاستطاع أن يستخرج ذلك “المارد” الكامن في داخل سالي، وأن يوقظ ذلك الزخم الإنساني والفكري والفني الذي ربما لا يظهر في المقابلات السطحية العابرة.
وفي تقديري، فإن من أهم ما ميّز هذا اللقاء أن الصحفي لم يكتفِ بأن يستضيف فنانة، بل نجح في أن يكشف شخصية كاملة، متعددة الأبعاد، وأن يخرج من داخلها ذلك الحضور القوي، والوعي المتقد، والصدق، والجرأة، والعمق؛ وهذا يُحسب له بقدر ما يُحسب لها؛ لأن الحوارات الكبيرة لا يصنعها ضيف كبير فقط، بل يصنعها أيضًا محاور يعرف كيف ينقّب، وكيف يحفّز، وكيف يفتح الأبواب المغلقة من دون افتعال أو ضجيج.
لهذا لم يكن ما شاهدته مجرد لقاء إعلامي عابر، بل لحظة نادرة اجتمع فيها ثقافة الضيف مع براعة المحاور، فخرجت لنا شخصية سالي حمادة بكل هذا الثراء، وبهذا القدر من الصدق والوعي والإنسانية؛ وحين يحدث ذلك، لا يعود الحديث عن الفن وحده، بل عن الحياة نفسها، وعن النجاح، وكلفته، وعن الشخصيات التي لا تكشفها الأسئلة السريعة، بل يكشفها الحوار الحقيقي.
ولهذا كتبتُ عن هذا اللقاء.
كتبتُ عنه رغم أنني نادرًا ما أكتب خارج الاقتصاد، لأن بعض الحوارات لا تعرّفك على الضيف فقط، بل تكشف لك شيئًا من نفسك، ومن تجربتك، ومن أسئلتك، ومن جراحك الصامتة، ومن قناعاتك التي ظننتها تخصك وحدك.
وحيد الفودعي
من صفحة الكاتب على موقع فيسبوك