في الأسبوع الثاني من الحملة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، تساءلت صحيفة Tomorrow’s Affairs استباقيًا عمّا إذا كانت آسيا الوسطى ستظل بمنأى عن تداعيات هذه الحرب.
ومع دخول الحملة أسبوعها الخامس، أصبح من المغري تطوير هذا السؤال بقدر أكبر من المجازفة النظرية: هل كانت دول آسيا الوسطى وجنوب القوقاز من بين الدوافع الكامنة وراء قرار الحرب على إيران؟ أو، بصيغة أكثر حذرًا، هل تندرج هذه المنطقة ضمن الأهداف الكبرى غير المعلنة لهذه الحرب؟
يكتسب هذا السؤال مشروعيته من غياب رواية رسمية مقنعة تشرح الدوافع الاستراتيجية الكبرى للحرب. وحتى الآن، يتمحور الجدل العام حول سرديتين رئيسيتين: الأولى ترى أن الهدف يتمثل في إعادة تشكيل الشرق الأوسط ضمن نظام إقليمي جديد تقوده إسرائيل. أما الثانية فتفسّر الحرب من داخل البيت الأبيض، معتبرة أن ترامب يتصرف بصورة اندفاعية، وأن نشوة النجاح السريع في فنزويلا دفعته إلى الاعتقاد بإمكانية تكرار السيناريو نفسه في إيران.
كلتا السرديتين تفسّران جانبًا من الصورة، لكنهما لا تستنفدان منطق القرار. فالأولى تُبقي التحليل حبيس الشرق الأوسط، والثانية تفترض أن السياسة الخارجية الأمريكية تُدار بصورة منفلتة من أي رؤية أشمل. غير أن تصعيدًا بهذا الحجم يصعب فهمه من دون وضعه ضمن إطار استراتيجي أوسع. ولأجل فهم هذا الإطار، ينبغي النظر إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط نفسه.
الاستراتيجية الكبرى
يشير الاستراتيجيون عادة إلى هذا المنطق الشامل بمفهوم الاستراتيجية الكبرى، أي التنسيق طويل الأمد للأدوات السياسية والاقتصادية والعسكرية لحماية المصالح الوطنية. وبالنسبة للولايات المتحدة، تعاقبت على هذا الإطار مراحل عدة: من الاحتواء بعد الحرب العالمية الثانية، إلى الهيمنة الأحادية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ثم إلى صعود مقاربات أكثر حذرًا مع تزايد كلفة الحروب الطويلة وتسارع صعود الصين.
في هذا السياق، برزت عقيدة" التوازن خارج المجال Offshore Balancing" بوصفها مقاربة واقعية تدعو إلى الحفاظ على التفوق الأمريكي، ومنع ظهور قوى مهيمنة منافسة في أوراسيا، مع تقليص الالتزامات العسكرية غير الضرورية والاعتماد على الشركاء الإقليميين ما أمكن. وقد ظهرت بعض ملامح هذا النهج في عهد أوباما، واستمرت بصيغ مختلفة في عهد بايدن.
الواقعية العارية
لم تنحرف إدارة ترامب الثانية عن هذا المسار بقدر ما تبنّت نسخة أكثر صراحة وخشونة منه. فبينما صاغت الإدارات السابقة القيادة الأمريكية بلغة الليبرالية الدولية، قدّم ترامب تصورًا أكثر تعاملية للقوة الأمريكية، يمكن وصفه، على نحو تقريبي، بأنه "واقعية عارية Naked Realism": مقاربة تعطي الأولوية للمصلحة الوطنية، وتفضّل أدوات الضغط والإكراه على التوافقات الدبلوماسية.
اقتصاديًا، تُرجم هذا التوجه في سياسات حمائية، وفي محاولات لإعادة بناء القدرة الصناعية الأمريكية، ولا سيما في الصناعات الدفاعية، وفي تأمين سلاسل توريد الموارد الاستراتيجية. أما جيوسياسيًا، فقد اتخذ شكل استراتيجية إقليمية متعددة المسارات هدفها الحفاظ على التفوق الأمريكي: من إحياء مبدأ مونرو في نصف الكرة الغربي، إلى الضغط على الحلفاء الأوروبيين لتحمل أعباء أكبر، وصولًا إلى تركيز متزايد على منع الصين من التحول إلى قوة عظمى مكافئة.
للوهلة الأولى، تبدو سياسة ترامب في الشرق الأوسط غير منسجمة مع هذا الإطار. فالمستندات الرسمية تتحدث عن تقليص الحروب المكلفة، والحفاظ على الاستقرار، وتأمين طرق التجارة، وحماية إسرائيل، وصون الشراكات مع الدول العربية. لكن ما حدث عمليًا هو اتساع حرب إقليمية جديدة تتمحور حول إيران.
البلقان الاوراسي
لفهم هذا التناقض الظاهري، ينبغي النظر شمالًا، إلى الفضاء الممتد من القوقاز عبر آسيا الوسطى وصولًا إلى أفغانستان. ففي تسعينيات القرن الماضي، وصف زبيغنيو بريجنسكي هذه المنطقة بأنها “البلقان الأوراسية”. وكما كان حال البلقان في أوروبا القرن التاسع عشر، تتسم هذه المنطقة بهشاشة الدول، وتعقيداتها الإثنية، والتنافس عليها بين قوى أكبر مثل روسيا والصين وتركيا وإيران.
ولعقود طويلة، عانت الولايات المتحدة من صعوبة ترسيخ حضور دائم في هذا المفترق الاستراتيجي. فالجغرافيا تُبعده عن القوة البحرية الأمريكية وتحيط به مناطق نفوذ منافسة. وحتى حين حصلت واشنطن على موطئ قدم مؤقت عبر وجودها العسكري في أفغانستان، فإن هذا الحضور تراجع بصورة حادة بعد انسحاب 2021.
ومع ذلك، ازدادت أهمية هذه المنطقة في السنوات الأخيرة. فآسيا الوسطى والقوقاز تحتويان على احتياطيات معتبرة من الطاقة والمعادن النادرة، كما أن موقعهما الجغرافي يجعلهما حلقة وصل بين أوروبا والشرق الأوسط وشرق آسيا. والسيطرة على الشبكات السياسية والاقتصادية التي تربط هذه المناطق يمكن أن تؤثر في ميزان القوى على امتداد أوراسيا.
لذلك، أظهر دونالد ترامب، بخلاف عدد من أسلافه، اهتمامًا ملحوظًا بمنطقة “البلقان الأوراسي”. ففي عام 2025، دعا إلى استعادة قاعدة باغرام العسكرية في أفغانستان، كما رعت واشنطن تفاهمات جديدة بين أذربيجان وأرمينيا أفضت إلى اتفاق سلام تاريخي وفتحت الطريق أمام “ممر ترامب” بين البلدين، وعقد الرئيس الأمريكي قمة رفيعة المستوى مع قادة دول آسيا الوسطى لتعزيز العلاقات المشتركة والدفع نحو مشاريع اقتصادية كبرى.
غير أن الدبلوماسية السياسية والاقتصادية والأمنية، على أهميتها، تظل محدودة الأثر في مواجهة العوائق الجيوسياسية؛ وهنا قد يكتسب قرار الحرب على إيران بُعدًا جديدًا.
جغرافيًا، تقع إيران بين الشرق الأوسط، حيث ما تزال الولايات المتحدة تملك نفوذًا سياسيًا وعسكريًا كبيرًا، وبين قلب أوراسيا، حيث يظل النفوذ الأمريكي محدودًا. ومن منظور استراتيجي بحت، تؤدي إيران وظيفة حاجز جيوسياسي يقيّد إمكان إسقاط النفوذ الأمريكي شمالًا نحو آسيا الوسطى والقوقاز.
وإذا نظرنا إلى الجيوسياسة بعين مطوّر عقاري — يربط الأسواق ويزيل العوائق ويبني الممرات — فإن المنطق يصبح أكثر وضوحًا. فدمج الشرق الأوسط مع “البلقان الأوراسية” قد يسمح للولايات المتحدة بإعادة توجيه نفوذها الإقليمي نحو مسرح استراتيجي ظل حضورها فيه ضعيفًا تاريخيًا.
وقد عبّر ترامب عن مثل هذا التوجه في نهاية عام 2025، حين أعلن عن توسيع اتفاقيات السلام لتشمل كازاخستان وإسرائيل، واصفًا اتفاقيات أبراهام بأنها “نادي للقوة” سوف تنضم إليه قريبًا بقية دول آسيا الوسطى، إلى جانب دول أخرى في الشرق الأوسط.
تقسيم اسيا الى مسارح شرقية و غربية
من هذا المنظور، قد لا تكون الحرب على إيران مجرد قضية تتعلق بالبرنامج النووي أو بالتنافسات الإقليمية المباشرة. بل قد تعكس محاولة أوسع لإعادة تشكيل البنية الجيوسياسية لما يمكن تسميته “الجنوب الأوراسي”، أي القوس الممتد من الشرق الأوسط إلى آسيا الوسطى. ومن هنا يبرز وجه الشبه بين فنزويلا وإيران: ليس في النتائج، بل في الدوافع الاستراتيجية الكامنة. فمثلما مثّلت الأولى مدخلًا لترسيخ الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي، غدت الثانية مدخلًا لإعادة هندسة توازنات القارة الأوراسية.
وفي حال نجح ترامب في تحقيق أهدافه المتمثلة في إخضاع النظام الإيراني استراتيجيًا أو إسقاطه عسكريًا، فسوف تكون لذلك تداعيات بعيدة المدى، أهمها تفكيك الاصطفاف الدولي المناهض للهيمنة الغربية بين الصين وروسيا وإيران، وفتح ممرات جديدة للتأثير الاقتصادي والسياسي والأمني تربط الشرق الأوسط بالقوقاز وآسيا الوسطى. كما قد يدفع ذلك نحو تقسيم آسيا إلى مسرحين استراتيجيين شرقي وغربي، بما يجعل من الصعب على قوة واحدة أن تهيمن على القارة بأكملها.
مع ذلك، تبقى مثل هذه الاستراتيجية محفوفة بالشكوك والمخاطر. فالتصعيد العسكري قد يقود بسهولة إلى نتائج عكسية، من بينها مزيد من الفوضى في الشرق الأوسط واستنزاف الموارد الأمريكية. كما يصعب تصور وقوف روسيا والصين موقف المتفرج إذا حاولت واشنطن إعادة تشكيل ميزان القوى في أوراسيا على هذا النحو.
ويقدّم التاريخ هنا ملاحظة تحذيرية. ففي خمسينيات القرن الماضي، أعرب جورج كينان، مهندس الاحتواء، عن أسفه لاحقًا لأن أفكاره جرى تفسيرها بوصفها مبررًا لعسكرة عالمية. فكثيرًا ما تنتهي النظريات الاستراتيجية إلى خدمة سياسات لم يُرِد أصحابها تبنّيها أصلًا. وقد تكون هذه هي المفارقة التي تلوح اليوم أمام ستيفن والت وجون ميرشايمر: فالأفكار التي صيغت لتقييد القوة الأمريكية ودفع واشنطن نحو تسوية مع إيران، قد تتحول في يد ترامب إلى غطاء نظري لحرب تهدف إلى إخضاع النظام الإيراني أو إسقاطه.
حسام ردمان - Tomorrow’s Affairs