التخوين والتجريح والمزايدة الزائدة وكل ما يندرج تحت هذا الباب هو حصيلة عشر سنوات سادها خطاب إعلامي وسياسي متناقض مع نفسه، خطاب ضرب كل ما له علاقة بالقضية والنضال، ومع ذلك حاول بعض من قادة تلك المرحلة إقناع الجميع بإن ذلك المسعى انفتاح سياسي ومرونة دبلوماسي، وأكدوا مرارا وتكرارا بأن نتائجه مجدية، وقد احرزت تقدما سياسيا ودبلوماسيا كبيرا نحو استعادة الدولة!
ولكن كل ذلك انهار في غضون ٤٨ ساعة فقط، إذ تحطم كل شيء على صخور الحقيقة، ولم نر حتى حطاما لكل تلك الأنجازات، إذ تبخر الجيش والكيان السياسي وإعلامه، وكل مظاهره، ولم نسمع مجرد موقف عربي ودولي مساند له، أو حتى سفير أو منظمة تدين أو تستنكر، وهذا لا يعني سوى شيء واحد، وهو أن البناء كان على رمل الشعارات والوعود فقط.
اليوم دعونا نرمم كل تلك التشوهات السياسية والإعلامية ونتعامل بواقعية مع الواقع، ونحمي الوعي الجمعي من الضياع، ونعترف أولا أن السلطة والثورة لا يلتقيان، وعليه نقول لانفسنا أولا من أراد أن يشارك في السلطة فهذا حقه لكن عليه أن يعترف برمزيّتها، بداية بالقسم وليس انتهاءا بالعلم، وعليه أن يكرس وقته وجهده للقيام بدوره ومهامه في خدمة الناس وفقا لموقعه.
ثانيا علينا أن نحترم قرار وقناعات من يريد أن يكون ثائرا ضد الدولة ، ومطالبا بزوالها، ولكن عليه أن لا يكون شريكا فيها، لأن ذلك لا يستقيم مع مبدأ النضال نفسه.
ثالثا علينا أن نفرق بين الثائر الذي يرفض الدولة وبين أي شخص آخر يعارض سياستها، وفق مبدأ الديمقراطية وحرية التعبير، لأن القانون يكفل للأخير المشاركة في السلطة، وهو في العادة ينتمي لحزب سياسي يعترف بالدولة وبكل رموزها.
رابعا أن كنا فعلا ننتمي لقضية عادلة علينا أن نغادر مربع المكايدات الإعلامية والعناد السياسي، والتخندق خلف الأشخاص، ونمنح الأكثر فهما ووعيا منّا، فرصة في إيجاد صيغ مشتركة للعيش، بحيث لا يضطر أحدنا إلى اللجوء لغريب يحمينا من أنفسنا، وهذه النقطة بالذات هي جذر المأساة التي تجذرت في حياتنا منذ الاستقلال وحتى اللحظة.
والخلاصة دعونا نكتشف القادرين على العمل، والمقتدرين في السياسية، ونعطي الشعارات والخطابات الاستعراضية اجازة مفتوحة، ونغلق معها أبواب الفتنة.