كنتُ واحدًا من الذين أداروا قناة عدن لايف من لندن، في مرحلةٍ كان سقف الطموح فيها يلامس السماء، وكانت القناعة راسخة بأن الصوت الصادق قادر على إحداث الفرق. لم تكن تلك المرحلة عابرة، بل تجربة تأسيسية تشكّل فيها الوعي، وارتبط فيها الإعلام مباشرة بالقضية والهوية والمسؤولية.
في تلك الفترة، كان بعض القيادات التي برزت خلال السنوات الخمس الماضية يصفوننا بالجنون، وينصحوننا بمراجعة خطابنا الإعلامي والسياسي، معتبرين أن ما نطرحه يتجاوز الممكن أو المقبول. لم يكن الخلاف حينها حول الأسلوب فقط، بل حول جوهر الرؤية وحدود الطموح.
ومن هذه التجربة، خلصتُ إلى قناعة راسخة مفادها أن المسارات السياسية المرتبطة بالقضايا الوطنية الكبرى لا يمكن أن تكون ثابتة أو نهائية، بل هي بطبيعتها متحركة، وتحتاج دائمًا إلى مراجعة وتصحيح وتقييم، وفتح مساحات أوسع للحوار، داخليًا وخارجيًا، وفق متغيرات الواقع وتعقيداته.
ليس عيبًا، ولا فشلًا، أن نقول اليوم بكل وضوح: نعم، نحن بحاجة إلى إعادة صياغة المشهد كاملًا، بكل تفاصيله، وبلا استثناء. العيب الحقيقي هو الاستمرار في إنكار الواقع، أو القفز فوق الأخطاء دون الاعتراف بها.
نحن بحاجة إلى قراءة صادقة لما حدث، وتحليل الأسباب الحقيقية التي أدت إلى انهيار كل شيء وعودتنا إلى نقطة البداية، وفهم الأخطاء الواقعية التي تم القفز فوقها دون إدراك لعواقبها.
في السياسة، التراجع خطوة إلى الخلف قد يكون أكثر حكمة من الاستمرار في مسار يقود إلى الانكسار. فلا مكان للكِبرياء في العمل السياسي إذا غاب العقل، ولا قيمة للشعارات إن لم تسندها خطط واستراتيجيات واضحة.
وهنا يجب التمييز بوضوح بين حالتين: أن تقود نفسك إلى التهلكة، وهذا خيار شخصي قد يراه البعض بطولة. وأن تقود شعبًا بأكمله إلى التهلكة، وهذه ليست بطولة بأي حال من الأحوال.
وأقولها بصدق ومن دون مجاملة: لم أجد أحرص على قضيتنا في هذه المرحلة أكثر من القيادات الجنوبية المتواجدة في الرياض، لما تبديه من إدراك للمسؤولية، وحرص واضح على تجنيب شعبنا مزيدًا من الخسائر.
ولهذا، فإن الطريق أمامنا يتطلب وعيًا عاليًا في التمهيد له، حتى نسير عليه بثبات، ونتجنب الانتكاسات، مستندين إلى شراكات صادقة، وفي مقدمتها دعم الأشقاء، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية.