آخر تحديث :الثلاثاء-27 يناير 2026-01:55ص

‏مزرعة الحيوان.. عندما يتحول الثائر إلى جلاد "توكل كرمان مثالا"

الثلاثاء - 27 يناير 2026 - الساعة 01:49 ص

إنتصار السنهوري
بقلم: إنتصار السنهوري
- ارشيف الكاتب


قرأت رواية "مزرعة الحيوان" لجورج أورويل مرتين، وشاهدت النسخة الكرتونية الكلاسيكية عام 1954، والنسخة السينمائية عام 1999، وعلمت أن نسخة جديدة أُنتجت عام 2025 وستُعرض في دور السينما عام 2026، فسأحرص على مشاهدتها قريبا. وفي كل مرة أعيد فيها قراءة الرواية أو مشاهدة تجسيدها كعمل مرئي ، أقول: يا للهول، التاريخ لا يكرر نفسه فحسب، بل يكرره بوجوه مألوفة جدا، وجوه تتغير جلودها لكن جوهرها يبقى!

في الرواية، تنطلق الخنازير الثائرة فتطرد الإنسان الظالم (جونز)، وترفع شعار "كل الحيوانات متساوية!" بحماس يملأ الصدور. لكن ما هي إلا فترة قصيرة حتى تتحول تلك الفئة الثائرة إلى طبقة عليا تمشي على رجلين، تسرق الحليب، تتذوق الخمر، وتمحو الوصايا السبع تدريجيا حتى تصبح: "كل الحيوانات متساوية.. لكن بعضها أكثر تساويا من بعض". هكذا يصبح الثائر ديكتاتورا جديدا، والمظلوم يظل مظلوما،.

نفس السيناريو نعيشه اليوم في واقع الثورات العربية، ومنها ما حدث في اليمن مع شخصيات بارزة مثل توكل كرمان. خرجت عام 2011 ناشطة صلبة، تصرخ في وجه الديكتاتور علي عبد الله صالح، تحمل جائزة نوبل للسلام كرمز للنضال السلمي، وتتقمص دور "الأم الثورية" لليمن. آمن بها الناس، هتفنا لها جميعا، وصفق لها العالم.

لكن انظر إلى التحول اليوم: الرمز الذي كان يمثل الثورة السلمية صار يدافع عن أجندات إقليمية محددة و كلها تنصب حول محور واحد وهو (الإخوان المسلمين)، يهاجم الجنوب اليمني وقوات العمالقة بشراسة، يؤيد طرفا على حساب آخر طالما يخدم "مشروعه"، ويصمت أحيانا أو يلوم الجميع إلا الدور الذي ساهم فيه بتحويل الثورة السلمية إلى فوضى وانقسام. الوجوه التي كانت تبكي معنا في الساحات صارت اليوم توزع دروس "الديمقراطية" من بعيد، بينما يتضور شعب اليمن جوعا ويعاني الدمار والتشرد.

إنها نفس الخنازير، ونفس الوصايا التي تُمحى تدريجيا، ونفس خيانة المبادئ الأولى. الفرق الوحيد أن في مزرعة أورويل كانت خنازير حرفيا، أما هنا فقد صارت "ناشطين دوليين" و"حائزين على نوبل"، أما المزرعة " اليمن " ما زالت تنزف.

من قرأ الرواية وعرف نهايتها يدرك أن الثائر الذي تلمع عيناه بالسلطة و النفوذ على حساب المبدأ لا يعول عليه. الثورة الحقيقية لا تنتهي بجائزة أو منصب، بل تنتهي بحرية الناس فعليا، والتمسك بالمبادئ دون تجزئة أو ازدواجية. فالمبادئ لا تتبدل حسب المصالح، ولا تُقايض بأي ثمن!

بقلم : إنتصار سنهوري