آخر تحديث :الثلاثاء-27 يناير 2026-01:55ص

‏دون كيشوت ومعارك طواحين الهواء ..

الثلاثاء - 27 يناير 2026 - الساعة 01:35 ص

ابتسام الكتيبي
بقلم: ابتسام الكتيبي
- ارشيف الكاتب


في رواية دون كيشوت، لم يكن البطل يحارب أعداء حقيقيين، بل طواحين هواء تخيّلها عمالقة يهددون العالم. المشكلة لم تكن في شجاعته، بل في قراءته المشوَّهة للواقع؛ إذ تحوّل الوهم إلى خصم، والاندفاع إلى سياسة، والضجيج إلى بديل عن الفهم. في السياسة، يتكرر هذا المشهد حين تُدار السياسات على أساس تصوّرات متخيلة عن الخطر، لا على تقييم دقيق للمصالح والقدرات. عندها، تُستنزف الجهود في معارك جانبية، ويُخطئ السهم هدفه.


في السنوات الأخيرة، برز نمطٌ إقليمي يقوم على مزاحمة دولةٍ أخرى في كل ساحة تقريباً: سياسياً، واقتصادياً، وبحرياً. لا بوصف ذلك تنافساً طبيعياً بين دولتين صاعدتين، بل كصراع صفري يُفترض فيه أحد الأطراف أن تقدّم الـطرف الآخر  لا بد أن يكون خصماً منه. هذه المقاربة، في جوهرها، لا تعبّر عن ثقة استراتيجية، بقدر ما تكشف قلقاً من تغيّر موازين النفوذ.


ويتم تفسير تحركات الطرف الآخر سياسياً بوصفها تهديداً يستوجب الاحتواء والتشكيك، لا اجتهاداً سيادياً ضمن بيئة إقليمية مضطربة. فُضّلت أدوات الضغط غير المباشر والسرديات الإعلامية، على إدارة الخلاف عبر قنوات مؤسسية هادئة. النتيجة لم تكن تعزيز النفوذ، بل تعميق الاستقطاب داخل الإقليم، وإضعاف القدرة الجماعية على التعامل مع تحديات أكبر تتجاوز الخلافات الثنائية.


وعلى الصعيد الاقتصادي تحوّلت المنافسة إلى مزاحمة حادّة بدل التكامل. استنساخ نموذج، سباق محموم على جذب الاستثمارات بالقرارات لا بالميزة التنافسية، وإعادة رسم خرائط الأعمال واللوجستيات بوتيرة أسرع من قدرة السوق على الاستيعاب. في علم الاقتصاد السياسي، هذا السلوك يرفع الكلفة ويزيد عدم اليقين، ويحوّل الفرص المشتركة إلى خسائر متبادلة، ويُربك المستثمرين بدل أن يجذبهم.


أما في الممرات البحرية وسلاسل الإمداد، فقد أُلبست المنافسة ثوباً استراتيجياً. الموانئ والخطوط البحرية والمبادرات العابرة للأقاليم صارت ساحات إزاحة لا منصات تكامل. غير أن الجغرافيا لا تُعاد صياغتها بقرارات فوقية، والتاريخ البحري لا يُختصر بإعلانات. الممرات الناجحة تُبنى على الثقة والاستقرار والشراكات طويلة الأمد، لا على محاولة إقصاء طرفٍ لصالح آخر.


المفارقة أن هذا النهج، الذي يُفترض أنه دفاعي، ينتهي عملياً بإضعاف صاحبه. فمحاولة كبح صعود نموذجٍ ناجح لا تُنتج صعوداً مقابلاً، بل تستنزف الموارد وتشتّت الأولويات، وتحوّل السياسة الخارجية إلى سلسلة ردود فعل. ومع الوقت، يصبح المشروع الوطني أسيراً لهدف واحد: منع الآخر من التقدّم، بدلاً من الإجابة عن سؤال أبسط وأكثر جدوى كيف نتقدّم نحن؟

في التحليل الاستراتيجي، هذه الحالة مثالٌ على سوء تقدير البيئة التنافسية. فالدول التي تُعرّف نجاحها عبر إعاقة الآخرين تدخل صراعاً مع الواقع نفسه. والواقع، كما تُظهر التجارب، لا يُهزم.


محاربة طواحين الهواء ليست شجاعة، بل سوء قراءة. لا تصنع نفوذاً، بل توتراً دائماً. وفي إقليم مثقل بالأزمات، تبدو الحاجة ماسّة للانتقال من منطق الإزاحة إلى منطق التعايش التنافسي، ومن هاجس كبح الآخرين إلى بناء مشروع ذاتي واثق لأن التاريخ لا يكافئ من يطارد ظلاله، بل من يعرف وجهته.