ماشهدته مدن الجنوب يوم أمس السبت من حشود هائلة، هو لحظة تأسيسية وميلاد جديد لقضية لم تنقطع قدرتها على حشد الملايين خلفها ، مهما كانت الإخفاقات ومحاولة تكريس أمر واقع يلغي القضية الجنوبية ، أو يحيلها من قضية سياسية إلى مجرد قضية حقوقية، ومظلمة تشبه مظالم بلاد تعج بالانتهاكات اليومية.
ليس مهماً الشعارات التي هتفت بها الميادين ، ربما تحت وقع صدمة حل المجلس الإنتقالي بارادة سعودية ، كان المجلس حاضراً بهتافات الحناجر، ولكن بمعطى الغد هي التوكيد الإضافي ،بأن قضية الجنوب لن تسقط بالتقادم، ولا بتغييب الرموز أو حتى بتسفيها.
الكل يجمع بعدالة القضية الجنوبية ، بخطابات الشرعية والمملكة وحتى أشد خصوم القضية ، وفي هذا التدفق الخطابي يغيب تعريف ماهية هذه العدالة ، وهو سؤال يتم القفز عليه عمداً ، والإبقاء على الجنوب في إطار تسول عواطف ناسه، وتسكين غضبهم مع تنويم مطالبهم الحقيقية ، دون ان يتم تقديم وصفة ناجعة لآليات الحل ، وإلى أين يراد لها أن ترسو ، هل بدولة ماقبل عام الوحدة ،كما يطالب به هذا الاحتشاد الجماهيري ، أم بتركيب معادلات وطبخات في الأروقة السياسية ذات طابع كانتوني ، إضافة لمعالجات تحسن شروط تواجد الجنوبيين في مؤسسات الحكم ، وتفتح ملفات تجاوز التوظيف والأراضي والحقوق التي تم سلبها منذ حرب 94، وحل مشاكل تردي الخدمات ، وكأن بهذه المسكنات تكون الشرعية قد وضعت نقطة آخر السطر للقضية الجنوبية، وغيبت تماماً طابعها السياسي.
جماهير الأمس كانت صادمة لصانع القرار الإقليمي وحتى المحلي ، فمن حيث أعتقدوا أن قرارات حل الانتقالي يفتح على مرحلة جديدة من الاستقرار ، فوجئ الجميع بكسر هذه الكتل الشعبية، لقرار المنع والقمع وحالة الطوارئ والترويع النفسي ، وإعادة إشهارهم القضية الجنوبية ، كقضية سابقة للمجلس الإنتقالي ، وستبقى بعده قضية لشعب لايقبل بالوعود المراوغة وبأنصاف الحلول.
لم يعد مهماً تسمية الإطار الحامل للقضية ،سيذهب الانتقالي وستبقى الميادين قادرة على خلق قياداتها البديلة.
في الجنوب شعب مسيس متمرس على النضال السلمي ، وبالتالي سيبقى شوكة خاصرة تستنزف كل تسوية للملف اليمني ،ما لم تمر عبر البوابة الجنوبية ، وتقدم لها الحل الحقيقي والعادل .