تعيش السودان واحدة من أكثر المراحل التباسًا في تاريخها الحديث، مرحلة تحاول فيها حكومة بورتسودان – الخاضعة لنفوذ الحركة الإسلامية – إعادة تلميع صورتها أمام الرأي العام المحلي والدولي، رغم الانتهاكات التي ترتكبها يوميًا بحق المدنيين. وفي هذا السياق، تسربت وثيقة "عقد" من داخل وزارة الثقافة والإعلام السودانية تكشف حجم العبث المالي الذي تمارسه الحكومة؛ إذ يحصل صحافيان، أحدهما أنيس منصور، على ما يصل إلى 120 ألف دولار راتب شهري، إضافة إلى 200 ألف دولار نثريات وتشغيل.
هذا التسريب أثار موجة غضب غير مسبوقة في الوسط الصحفي السوداني، إذ رأى كثيرون أن حكومة الحركة الإسلامية تستقدم إعلاميين من خارج السودان – بعضهم تابع للتنظيم نفسه – لنسج رواية موجهة عن "الانتهاكات"، في الوقت الذي يتقاضى فيه كبار الصحفيين السودانيين رواتب لا تتجاوز 300 دولار.
الرسالة التي فهمها الصحفيون السودانيون واضحة:
الحكومة لا تثق في إعلامييها، وتفضّل استقدام أصوات خارجية، حتى وإن كانت أقل مستوى مهنيًا من أصغر صحافي سوداني.
أنا أعرف أنيس منصور عن قرب.. مستواه مهنيًا متواضع ولا يرتقي لكتابة مادة تحليلية رصينة. أما محمد العرب، فهو النسخة الأكثر صخبًا… ضوضاء، إثارة، وصراخ، لكنها لا تمت إلى الصحافة بصلة. دعوت الاثنين سابقًا إلى اختبار بسيط: كتابة مقال تحليلي حقيقي. وما زلت على قناعة أنني سأكسب التحدي — لا ادعاء تفوّق، بل التزام بالحدّ الأدنى من المهنية والأخلاق الصحفية.
قلت في تدوينة قبل أيام إن محمد العرب ذهب إلى السودان ليس من أجل "نقل الحقيقة"، بل من أجل استثمار الحرب: إمّا بالربح المالي المباشر، أو بخدمة أجندة الحركة الإسلامية. وفي عالم هؤلاء، الجمع بين المال والانتصار للتنظيم "مستحب" بل ومحبب.
وقد أثبتت الأيام صحة ذلك. فالعرب نشر سلسلة تدوينات هاجم فيها دولًا عربية شقيقة كانت ولا تزال سندًا للشعب السوداني، وعلى رأسها الإمارات و مصر. بدا الرجل وكأنه دخل السودان وفي جعبته قائمة اتهامات جاهزة، ينتظر فقط من يدفع مقابل توزيعها.
التسريب، على الأرجح، جاء من داخل الوزارة نفسها. موظف أراد أن يوجه رسالة إلى زملائه في الإعلام الرسمي:
بينما أنتم تكافحون برواتب زهيدة، تتعاقد الحكومة سرا مع إعلاميين خارجيين بمبالغ فلكية لتبييض انتهاكاتها.
المفارقة المضحكة – المبكية – ليست في عقد أنيس منصور؛ فالرجل معتاد على هذا النوع من الصفقات، وسبق أن تلقى أموالًا طائلة من دولة كبرى في المنطقة، قبل أن يدير لها ظهره ويرحل دون وداع. هذه طبيعته، والجميع يعرفها.
المصيبة ستكون عندما تُسرب عقود محمد العرب.. وحينها، إذا ظهر أنه يتقاضى أقل من أنيس منصور، فسيضطر الرجل للاعتذار لكل من أساء إليهم، بدءًا من الصحفي السوداني الشيخ السالك الذي اتهمه العرب بأنه "أقل من أن يكون صحافيًا".
الربح الوحيد من هذه الفضيحة أن الشعب السوداني بدأ يفهم الصورة:
أموال عامة تُبذر من أجل الإساءة إلى الدول التي وقفت إلى جانبه، بينما يواجه المواطن ويلات الحرب وحده.
والسؤال الذي سيظل معلّقًا: إلى متى ستظل الحركة الإسلامية في السودان تشتري الأصوات الرخيصة بدل مواجهة الحقيقة؟
#صالح_أبوعوذل