قضية اليمنيين مع الحوثيين حالة فريدة ذات خصوصية واضحة لمن يتأملها بكل موضوعية، إذ نادرا ما نجد شعبا هو الذي يلزم قياداته ونخبه عدم المساومة أو التنازل عن قضيته وحقوقه ويمنعهم من تقديم أي تنازل للخصم تحت أي مبرر.
في أغلب الحروب التي مرت على البشرية، يكون القادة هم من يوجهون الشعوب إلى الصمود ورفض تقديم أي تنازلات، أما في قضيتنا اليمنية، فإن الشعب نفسه هو من يرفض تقديم تنازلات للحوثيين والذين يعتبرون الامتداد العرقي والطائفي للإمامة التاريخية.
كلما لاحظ الناس أي تصريح رسمي أو تلميح نخبوي يوحي بتقديم تنازلات للحوثيين تحت لافتة "السلام" الذي تتحدث عنه المؤسسات الأممية، تكون ردة الفعل العفوية رافضة حتى يصل الأمر إلى اتهام النخبة والقادة بالتقصير أو حتى الخيانة.
هذا الموقف المجتمعي الصارم والاستثنائي ليس ترفا ولا نتيجة دعايات سياسية كان لها دور في صناعة هذا الوعي الصلب، بل ضرورة وحاجة نابعة من يقين راسخ بأن بقاء هذه العصابة خطر وجودي على حاضر اليمنيين ومستقبل الأجيال القادمة بل وعلى أمن المنطقة العربية ككل. يعرف اليمنيون باستحالة التعايش مع العنصرية "العرقطائفية"، ولهذا يرفضون أي خطاب نخبوي (رسمي أو مجتمعي) رخو تجاه هذه العصابة الكهنوتية.
ومن أبرز مؤشرات المزاج الشعبي الرافض للحوثيين، أن المكونات السياسية اليمنية إذا أرادت تشويه منافسيها، تتهمهم بالتماهي مع الحوثيين. كذلك أي شخصية عامة (سياسيين، علماء، مثقفين، فنانين) تميل أو تتساهل مع هذه العصابة تتعرض لانتقادات واسعة وتخسر جماهيريتها مهما كان وزنها وتأثيرها.
سأعطيكم مثالا بسيطا: افترضوا أن لدينا شخصية يمنية ضحت وقدمت الكثير وهي تقاتل الحوثيين ميدانيا.. خسرت أقرب الناس لها وبسبب ذلك أصبح الشعب ينظر إلى هذه الشخصية كبطل وملهم. فجأة ولأسباب مختلفة، بدأت هذه الشخصية تلتقي بقيادات حوثية وبدأ خطابها الجمهوري يتراجع وبدأت تتحدث عن ضرورة التنازل للحوثيين باعتبارهم أمر واقع.. كيف سيكون رد المجتمع؟ بلا أدنى شك ستتراجع شعبيتها ولن يبقى حولها إلا من يستفيد منها. وهناك نماذج واضحة لمثل هذه الحالة. هذا لأن المسألة ليست متعلقة بالأشخاص أو مجرد خلاف على سلطة أو جاه أو مال.. بل إيمان حقيقي أن الحوثية خطر يستهدف وجود اليمنيين حاضرا ومستقبلا وليس مجرد خطأ عابر يمكن معالجته بمراهم سطحية تصفها الأمم المتحدة.
قضية اليمنيين عادلة وليس فيها جور على أحد، ولهذا سينتصرون بأذن الله رغم ما تتلقاه هذه العصابة من دعم مالي وسياسي وإعلامي وعسكري من جهات إقليمية ودولية.. سينتصر هذا الشعب المكلوم في نهاية المطاف باذن الله، ولن يستمر الحوثيين في قدرتهم على استغلال القضية الفلسطينية لتمرير مشاريعهم في اليمن وشبه الجزيرة العربية إلى ما لا نهاية.
هذا الموقف الشعبي الرافض للحوثيين يجب أن يدرس من العرب والمسلمين وبقية دول العالم. ادرسوا الحالة اليمنية كي لا تخسروا اليمنيين.