في كل ليلة، حين يثقل الرأس على الوسادة، تبدأ الرحلة الخفية: خطوة بين يقظة منهكة وغياب يتربص وراء الجفن. لحظة لا تخص النهار ولا تخص النوم، بل تخص المسافة بينهما.
النوم ثلث العمر. فصل كامل نعيشه ثم نمحوه من الذاكرة. نطوي الجسد في الفراش كما يُطوى ثوب قديم، ونترك للنفس وحدها مهمة السفر. هناك وجوه غابت منذ زمن، بيوت ضبابية تُفتح أبوابها، وأحاديث تنقطع مع أول خيط للفجر، تاركة في الحلق طعم كلام لم يُقل.
أتذكر جيداً رائحة ياسمين في حلم قديم. لم يكن في بيتنا ياسمين، لكن الرائحة بقيت معي أياماً، كأنها رسالة من مكان آخر، أو ذكرى حياة لم أعشها.
هل هو استراحة للجسد، أم درس متكرر في خفة الرحيل؟ يصعب أن نتصور أن الخالق، الذي صمّم جناح فراشة بتلك الدقة، جعل ثماني ساعات يومية فراغًا لا حكمة فيه.
في الحياة إشارات صغيرة نسمّيها صدفًا. نفكر في صديق فيتصل، نبحث عن كتاب فينتظرنا على رف عابر. أما النوم فهو الإشارة الأكبر، يحدث كل ليلة، بإصرار غامض، كأنه يذكّرنا أن النهار ليس الحقيقة الكاملة.
المسافر في تلك الرحلات ليس الجسد ولا أنفاسه. الذي يذهب هو النفس التي تحتفظ بالذاكرة والأسئلة والأحلام المؤجلة. هناك تُحمّل ملفات غير مرئية: فكرة لمشروع، طمأنينة غامرة، أو إنذار مبكر. يوسف لم ير حلماً عابراً، بل خريطة حياة كاملة مرسلة من غيب بعيد.
الرؤيا المتكررة ليست قدراً محتوماً، لكنها رسالة ملحّة. تجاهلها ترف، والإصغاء إليها شكل من أشكال الحكمة.
وفي النهاية، يظل النوم نافذة يومية على الغياب الكبير. نغلق كتاب النهار، ونفتح كتابًا آخر بأحرف لا تُرى. وفي سطوره نسمع الهمس القرآني:
«اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا».