آخر تحديث :الأربعاء-04 نوفمبر 2026-09:28م
اخبار وتقارير

إنسانية مزدوجة للأمم المتحدة.. بيانات القلق ردًا على جرائم الحوثي باليمن

إنسانية مزدوجة للأمم المتحدة.. بيانات القلق ردًا على جرائم الحوثي باليمن
الأربعاء - 04 نوفمبر 2026 - 07:54 م بتوقيت عدن
- تعز، نافذة اليمن:

فيما تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية وصحية تهدد مئات الآلاف من سكان مدينة تعز، تواصل مليشيا الحوثي الإرهابية فرض حصارها على المدينة، وارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين حجم التحذيرات الدولية وخطورة الإجراءات المحدودة التي تتخذها الأمم المتحدة ومنظماتها لوقف هذه الانتهاكات وحماية السكان.


وجددت الأمم المتحدة، الاثنين، تحذيراتها من التدهور المتسارع للوضع الصحي والإنساني في تعز، مؤكدة أن نحو ربع مليون شخص حُرموا من الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية، بينهم أكثر من 186 ألف طفل دون الخامسة و23 ألف امرأة حامل، فيما تواجه 12 مستشفى خطر الإغلاق بسبب نقص الوقود والمستلزمات الطبية.


وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، إن إغلاق الطرق المؤدية إلى المدينة وتعطل وصول الإمدادات التجارية والإنسانية فاقما الأزمة الصحية، مشيراً إلى تسجيل أكثر من 1400 حالة إسهال حاد واشتباهاً بالإصابة بالكوليرا خلال أسبوع واحد.


ورغم خطورة الأرقام التي أعلنتها المنظمة الدولية، فإن استجابتها لا تزال محصورة في التحذيرات والتعبير عن القلق والدعوات المتكررة إلى حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات، دون الإعلان عن خطوات عملية ضاغطة من شأنها إنهاء الحصار وإجبار المليشيا الحوثية على فتح الطرق ورفع القيود التي تحرم السكان من أبسط مقومات الحياة.


وتثير هذه المقاربة الأممية تساؤلات متجددة حول جدوى الاكتفاء بتوثيق المعاناة والتحذير من تداعياتها، في وقت تتواصل فيه الانتهاكات الحوثية على نحو ممنهج، من قصف الأحياء السكنية واستهداف المدنيين والطواقم الطبية، إلى زراعة الألغام الأرضية وتفجير المنازل والمنشآت، فضلاً عن الإعدامات العلنية وغيرها من الانتهاكات التي تطال السكان في مناطق سيطرة المليشيا والمناطق المحاذية لجبهات القتال.


ويحمل الحصار المفروض على تعز أبعاداً تتجاوز تعطيل حركة التنقل والإمدادات، إذ تحولت القيود على الطرق إلى وسيلة تضاعف الأعباء المعيشية والصحية على السكان، وتعرقل وصول المرضى إلى المستشفيات، وتضع الأطفال والنساء وكبار السن أمام مخاطر متزايدة، في ظل تراجع قدرة المرافق الصحية على تقديم خدماتها.


وتستحضر تداعيات هذا الحصار جوانب من المأساة الإنسانية التي شهدها قطاع غزة، من حيث استخدام القيود على الحركة والإمدادات في تعميق معاناة المدنيين وتهديد الخدمات الأساسية، وإن اختلفت طبيعة النزاع والسياقات والظروف بين الحالتين. ففي تعز، لا يقتصر الخطر على نقص الغذاء والدواء والوقود، بل يمتد إلى تهديد منظومة الرعاية الصحية برمتها، مع اقتراب مستشفيات من التوقف عن العمل وحرمان مئات الآلاف من الخدمات الطبية.


ازدواجية الخطاب الأممي


وفي مؤشر آخر على ما يصفه حقوقيون بالانتقائية والحذر المفرط في المواقف الأممية، جاء بيان منظمة الأمم المتحدة للطفولة يونيسف بشأن الهجوم الصاروخي الذي استهدف مركز السُقيّا الصحي في محافظة لحج، وأدى إلى مقتل خمسة أشخاص، بينهم ثلاثة من العاملين في القطاع الصحي، وإصابة 15 آخرين، بينهم سبعة من الكادر الطبي.


واكتفت المنظمة بالتعبير عن قلقها إزاء سقوط الضحايا، ووصفت الحادثة بأنها أمر يبعث على القلق، وشددت على ضرورة حماية المرافق الصحية والعاملين فيها، لكنها لم تسمِّ مليشيا الحوثي بوصفها الجهة التي أعلنت وزارة الصحة اليمنية مسؤوليتها عن الهجوم، كما لم تتضمن إدانة صريحة للقصف أو مطالبة بمحاسبة المسؤولين عنه.


ويكتسب هذا الموقف دلالة خاصة بالنظر إلى أن المركز الصحي يحظى بدعم المنظمة ويقدم خدمات الرعاية الأساسية لنحو 1737 شخصاً، بينهم أطفال، ما يجعل استهدافه اعتداءً لا يهدد العاملين فيه فحسب، بل يحرم تجمعاً سكانياً من خدمات صحية أساسية.


وتكشف المقارنة بين التحذيرات الأممية بشأن تعز والموقف من استهداف مركز السُقيّا عن إشكالية في الخطاب الدولي، الذي يركز على النتائج الإنسانية للانتهاكات، لكنه يتجنب في حالات كثيرة تسمية الجهات المسؤولة عنها بوضوح، الأمر الذي يضعف رسائل المساءلة ويثير تساؤلات بشأن مدى فاعلية الدور الأممي في حماية المدنيين.


مغادرة مربع القلق إلى المساءلة


وفي هذا السياق، يثير ناشطون حقوقيون تساؤلات بشأن استمرار تعامل الأمم المتحدة مع الانتهاكات الحوثية باعتبارها أزمات إنسانية طارئة، بدلاً من التعامل معها باعتبارها انتهاكات تستوجب تحديد المسؤولية ومحاسبة مرتكبيها، محذرين من أن تكرار بيانات القلق دون إجراءات رادعة يمنح المليشيا مساحة لمواصلة انتهاكاتها دون تكلفة توازي حجم الجرائم المرتكبة.


ويرى حقوقيون أن حماية المدنيين لا تتحقق بمجرد إصدار بيانات تدعو إلى احترام القانون الدولي الإنساني، وإنما تتطلب مواقف واضحة تسمّي الأطراف المسؤولة عن الانتهاكات، وتوثق الجرائم، وتدفع باتجاه المساءلة، وتستخدم الأدوات السياسية والحقوقية المتاحة للضغط من أجل وقف استهداف المدنيين والمنشآت الصحية وفتح الطرق أمام السكان والإمدادات الإنسانية.


وقال الناشط الحقوقي سليمان بركات: ما يثير الاستغراب أن الأمم المتحدة ومنظماتها باتت تجيد توصيف الكوارث الإنسانية التي يتسبب بها الحوثيون، لكنها تتجنب في كثير من الأحيان تسمية المسؤولين عنها أو اتخاذ مواقف واضحة تجاههم. كيف يمكن الحديث عن حماية المدنيين بينما تُحاصر مدينة تعز، وتُستهدف المستشفيات والطواقم الطبية، ويُقتل المدنيون بالقذائف والألغام، ثم ينتهي الموقف الأممي عند حدود التعبير عن القلق؟


وأضاف: إن الاكتفاء بالتحذيرات والبيانات لا يوفر الحماية للضحايا، ولا يردع مرتكبي الانتهاكات. وما صدر عن اليونيسف بشأن استهداف مركز السُقيّا الصحي مثال واضح على هذه الإشكالية؛ إذ تحدثت المنظمة عن مقتل خمسة أشخاص، بينهم عاملون صحيون، لكنها لم تسمِّ الجهة المسؤولة عن الهجوم، رغم إعلان السلطات الصحية اليمنية أن القصف نفذته مليشيا الحوثي.


وقال: نحن لا نطالب الأمم المتحدة بتجاوز دورها الإنساني، بل نطالبها بالقيام بمسؤولياتها الحقوقية والقانونية، وعدم التعامل مع جميع الأطراف بلغة عامة تحجب المسؤولية. فالحياد الإنساني لا يعني الصمت عن تسمية مرتكبي الجرائم، وحماية المدنيين لا تكون بمساواة الضحية بمن يستهدفها، وإنما بتوثيق الانتهاكات وتحديد المسؤولين عنها والعمل الجاد على منع تكرارها ومحاسبة مرتكبيها .